تصدر “البام” الانتخابات يعيد ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة: تصريحات وهبي “الحق التاريخي” تصطدم بالرفض الإسباني القاطع

في تطور سياسي لافت، عاد ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين إلى صدارة المشهد الإعلامي والسياسي، بعدما سلطت صحيفة “لاراثون” الإسبانية الضوء على مواقف حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) من القضية، وذلك في أعقاب تصدره نتائج الانتخابات التشريعية المغربية.
نتائج انتخابية تعيد ترتيب المشهد
وفقاً للنتائج الرسمية المعلنة، حصد حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعداً في الانتخابات التشريعية، ليحل في المرتبة الثانية بعد حزب التجمع الوطني للأحرار الذي تصدر بـ 66 مقعداً، بينما جاء حزب الاستقلال ثالثاً بـ 65 مقعداً . وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل التحول العميق الذي شهدته الخريطة السياسية المغربية، مع الصعود الكبير لحزب العدالة والتنمية الذي اكتفى بـ 54 مقعداً فقط .
تصريحات وهبي: “حق تاريخي وجغرافي”
أعادت الصحيفة الإسبانية تسليط الضوء على تصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، القيادي البارز في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أكد في أغسطس الماضي أن سبتة ومليلية تمثلان بالنسبة للمغرب “حقاً تاريخياً وجغرافياً”، مشدداً على أن الملف “سيظل موضوعاً للحوار بين المغرب وإسبانيا” .
واقترح وهبي إنشاء “لجنة للحوار” بين البلدين لبحث وضع المدينتين والتوصل إلى “حل نهائي” بشأن مستقبلهما، مستخدماً عبارة لافتة حين تحدث عن رغبته في أن “تعودا إلى حضن الوطن” . وتجدر الإشارة إلى أن هذه التصريحات تعود لشهر غشت الماضي، أي قبل إعلان نتائج الانتخابات، وهي مواقف شخصية للقيادي وليست بالضرورة وعداً انتخابياً جديداً.
الرفض الإسباني: “غير قابل للتفاوض”
في المقابل، كان الرد الإسباني حاسماً وسريعاً. أكدت وزارة الخارجية الإسبانية، على لسان وزيرها خوسيه مانويل ألباريس، “الرفض القاطع” لأي طرح يمس وضع المدينتين، واصفة فكرة السيادة المشتركة بأنها “عبث وأمر سخيف” .
وقال ألباريس في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسبانية: “سبتة ومليلية إسبانيتان، وهما جزء من الاتحاد الأوروبي. الوحدة الترابية لإسبانيا لا تقبل أي نوع من التعليق من قِبل أي شخص أو أي سلطة في المغرب” . وأضاف أن “الوحدة الترابية لإسبانيا، وكون سبتة ومليلية جزءاً من إسبانيا ومن الاتحاد الأوروبي، هو أمر معترف به دولياً، ولا ينازع فيه أحد، ولن يكون أبداً موضوعاً لأي نوع من الحوار” .
وفي تصعيد دبلوماسي لافت، اعتبر ألباريس أن تصريحات الوزراء المغاربة بشأن المدينتين “تدهور العلاقات الثنائية”، مؤكداً أنها “غير مقبولة على الإطلاق” . كما كشفت مصادر دبلوماسية أن مدريد استدعت السفيرة المغربية لديها لإبلاغها رسمياً بهذا الموقف .
خلفية الأزمة: أحداث يوليوز وارتداداتها
يأتي هذا التصعيد في ظل تداعيات الأحداث التي شهدتها المنطقة الحدودية بين الفنيدق وسبتة في أواخر يوليوز الماضي، حين شهدت المدينة عبوراً جماعياً غير مسبوق قدرت بعض المصادر عدد المشاركين فيه بعشرات الآلاف، ما أسفر عن خسائر بشرية ومادية كبيرة .
وكان حزب الأصالة والمعاصرة قد أصدر بياناً في أعقاب تلك الأحداث، أعرب فيه عن “قلقه وأسفه الشديدين”، داعياً إلى “حوار وطني ودولي هادئ” لمعالجة ظاهرة الهجرة، ورفض في الوقت ذاته “استغلال الأحداث لتبخيس المجهود التنموي أو تصفية الحسابات مع مؤسسات الدولة” .
قراءة في التوقيت والدلالات
يثير توقيت عودة هذا الملف إلى الواجهة عدة تساؤلات. فمن جهة، تأتي تصريحات وهبي في سياق حملة انتخابية كان فيها حزبه يسعى لترسيخ مكانته في المشهد السياسي. ومن جهة أخرى، يستغل الجانب الإسباني هذه التصريحات لتأكيد موقفه الرافض لأي نقاش حول السيادة، خاصة مع تصاعد النقاش الأوروبي حول وضع المدينتين.
ويرى مراقبون أن إسبانيا تسعى، عبر التأكيد على “أوروبية” سبتة ومليلية، إلى تحصين موقفها دولياً وربط أي اتفاق شراكة مع المغرب بعدم التشكيك في سيادتها على المدينتين . في المقابل، يتمسك المغرب بموقفه التاريخي الذي يعتبر المدينتين “محتلين ”، مع إبقاء الباب مفتوحاً للحوار الدبلوماسي.
موقف ثابت وحوار مستمر
وعلى الرغم من حدة التصريحات المتبادلة، أشار وزير الخارجية الإسباني إلى أن رفض مناقشة السيادة “لا يعني وقف الحوار مع المغرب”، مؤكداً استمرار الاتصالات الثنائية بشأن ملفات أخرى، خاصة الهجرة والوضع المرتبط بالمدينتين . ومن المرتقب أن يعقد ألباريس لقاءً مع نظيره المغربي ناصر بوريطة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث هذه الملفات .
وهكذا يبقى ملف سبتة ومليلية عصياً على أي حل قريب، بين تمسك مغربي بحقوق تاريخية، وإصرار إسباني على سيادة “غير قابلة للتفاوض”، في ظل سياق إقليمي معقد تتشابك فيه قضايا الهجرة والعلاقات الأوروبية والتنافس الجيوسياسي.



