في انتظار البلاغ الرسمي: لحظة تحوّل نوعي في مشاركة المرأة المغربية في تدبير الشأن العام

الرباط – الثلاثاء 29 شتنبر 2026
يعيش الفضاء العمومي المغربي، منذ صباح اليوم، على وقع خبر لم يصدر به بعد بلاغ رسمي من الديوان الملكي، مفاده أن جلالة الملك محمد السادس عيّن منسقة القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة للحكومة المغربية الجديدة للولاية 2026–2031. وإذا كان الانتظار الرسمي يفرض علينا التمييز بين المعطى المؤكد والافتراض، فإن مجرد تصدّر هذا الاحتمال للمشهد الوطني يشكّل في ذاته حدثاً سياسياً ورمزياً يستحق التوقف.
ترقّب مؤسّسي لا مجرد خبر عابر
في التقليد السياسي المغربي، يظل تعيين رئيس الحكومة اختصاصاً حصرياً لجلالة الملك، طبقاً لمقتضيات الفصل 47 من الدستور. ولذلك حرصت المنصوري نفسها، في تصريحات سابقة بعد إعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر، على التأكيد بأن الأمر “اختصاص ملكي”، وأن أي حديث عن توليها المسؤولية يبقى مجرد تكهنات، مضيفة: “إذا طلب مني جلالة الملك تحمّل هذه المسؤولية، فسيكون ذلك شرفاً كبيراً لي”. هذا التمييز بين المعلوم والمتوقّع ليس ترفاً قانونياً، بل هو تعبير عن احترام قواعد اللعبة المؤسسية التي تحكم النظام السياسي المغربي.
معطيات صلبة تشرح الترشيح
لم يأتِ بروز اسم المنصوري من فراغ. فقد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية بـ 97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار (66 مقعداً) والاستقلال (65 مقعداً). وبصفتها منسقة القيادة الجماعية للحزب، تُعدّ المنصوري من أبرز وجوهه السياسية وأكثرها حضوراً في المشهد العام. غير أن المنطق السياسي المغربي لا يُختزل في الأرقام الانتخابية وحدها؛ فالفصل 47 يمنح الملك صلاحية التعيين من الحزب المتصدّر، دون أن يُلزمه باختيار الأمين العام بعينه. وهناك سوابق دستورية تُستحضر في هذا السياق، من قبيل تعيين سعد الدين العثماني سنة 2017 خلفاً لعبد الإله بنكيران، رغم أن الأخير كان أميناً عاماً للحزب. وهكذا يبقى القرار النهائي رهيناً بالتقدير السياسي للقصر.
مسار غير نمطي من مراكش إلى الرباط
يكشف المسار السياسي لفاطمة الزهراء المنصوري عن تحوّل عميق في موقع المرأة المغربية داخل بنية السلطة. من مواليد مراكش سنة 1976، بكوْنها متخصصة في القانون التجاري ودرست في فرنسا والولايات المتحدة، انتخبت سنة 2009 رئيسة لبلدية مراكش، لتكون أول امرأة تتبوّأ هذا المنصب في المدينة. وفي سنة 2021 عُيّنت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، قبل أن تتولى سنة 2024 منسقية القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. هذا الانتقال من رئاسة جماعة محلية إلى قيادة حزب وطني إلى عضو في الحكومة، يُظهر مساراً قائماً على “الفعل التنفيذي” لا على التمثيل الرمزي، وهو ما جعل الصحافة المغربية تصفها بـ”المرأة الحديدية” القادرة على “شقّ الطريق وسط التوافقات الصعبة”.
تحوّل نوعي لا مجرد إضافة عددية
قد يكون من التقليل لأهمية الحدث اختزاله في كونه “أول امرأة ترأس الحكومة”. ففي الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش، كانت هناك سبع وزيرات يشرفن على قطاعات استراتيجية كالاقتصاد والمالية وانتقال الطاقة والسياحة. حضور المرأة في الجهاز التنفيذي ليس جديداً إذن. لكن التحوّل الحقيقي يقع في موقع القمة: انتقال المرأة من “المشاركة” إلى “القيادة”، ومن تسيير قطاع إلى الإشراف على مجمل العمل الحكومي. إنه عبور لعتبة نوعية، حيث ينتقل المنطق من “تخصيص مواقع لتمثيل المرأة” إلى “ترسيم حضورها بقدراتها في ملفات معقدة وحساسة”. وهذا التحوّل يستند إلى أسس مؤسسية تراكمت منذ عهد جلالة الملك محمد السادس، من ضمانات دستورية للمساواة، إلى آليات الحصص في اللوائح الانتخابية، إلى إرادة سياسية ملكية في إدماج النساء في مراكز القرار.
بُعد إقليمي وتحديات قائمة
في السياق العربي، تظل حالات تولّي المرأة رئاسة الحكومة نادرة جداً. ففي سنة 2021، عيّنت تونس نجلاء بودن رئيسة للحكومة، لتكون أول امرأة تترأس حكومة في العالم العربي. وإذا تحقق تعيين المنصوري، سيصبح المغرب ثاني بلد عربي يعرف هذه التجربة. لكن التحديات التي تنتظر رئيسة الحكومة المحتملة لا تقلّ عن حجم الرمزية. فحزبها لا يتوفر على أغلبية مطلقة في البرلمان، ما يعني أن مفاوضات تشكيل الأغلبية ستكون معقدة، وستشمل أحزاباً تقليدية كالتجمع الوطني للأحرار والاستقلال. وقد أعلنت المنصوري منذ فوز حزبها أنها “لا تضع خطوطاً حمراء”، وأنها منفتحة على الحوار مع كل من “يحترم الثوابت الوطنية”. وعلى المستوى الاقتصادي، تواجه الحكومة المقبلة ضغوط التضخم، وتأثير الجفاف على القطاع الفلاحي، وإشكالات التمويل المستدام لورش الحماية الاجتماعية.
نحو نقاش أعمق
في انتظار البلاغ الرسمي، يظل كل حديث عن “صناعة التاريخ” مشروطاً بالتحقق. لكن مجرد تداول هذا الاحتمال في الفضاء العام قد حرّك نقاشاً أعمق حول مكانة المرأة في النظام السياسي المغربي، وحول منطق التعيين الملكي، وحول جودة المشاركة النسائية في مرحلة ما بعد الكوطا. وقد قدّم الباحث السياسي محمد شقير قراءة متوازنة بقوله: “المهم ليس أن يكون رئيس الحكومة رجلاً أو امرأة، بل أن يمتلك القدرة على تحمّل مسؤولية تدبير الشأن الحكومي في تعقيداته. وإذا حدث هذا التعيين، فسيكون له دلالة كبرى على صورة المغرب في الخارج، لكن معيار التقييم النهائي سيبقى هو القدرة على التدبير”.
وإذا تأكد التعيين، سينضمّ المغرب إلى نادٍ عالمي محدود جداً من الدول العربية التي تقود فيها امرأة الحكومة. لكن الأهم من الانتساب إلى هذا النادي، هو أن المملكة تُقدّم، بإيقاعها الخاص ومنطقها المؤسسي، جواباً عن سؤال “إلى أي مدى يمكن أن تصل المرأة؟” من داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.



