شهد شاطئ أنزا بمدينة أكادير، مساء الخميس 8 أكتوبر الجاري، حادثاً مقلقاً بعدما تعرض طفل لا يتجاوز عمره عشر سنوات لهجوم من مجموعة من الكلاب الضالة، التي نهشت جسده قبل أن يتدخل عدد من المواطنين لإنقاذه، في واقعة أعادت إلى الواجهة مخاطر انتشار هذه الحيوانات وتهديدها لسلامة المواطنين .
ويأتي هذا الحادث بعد وفاة مواطن خلال الأسبوع الماضي متأثراً بإصابات ناجمة عن عضات كلب ضال، في وقت يتوافد فيه مواطنون بشكل متكرر على المصلحة الصحية المختصة بأكادير لتلقي الإسعافات الأولية والتلقيح، عقب تعرضهم لهجمات مماثلة . وتثير هذه التطورات تساؤلات جدية حول فعالية التدابير المتخذة للحد من الظاهرة، وسط تلويح الساكنة بخطوات تصعيدية قد تشمل تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر جماعة أكادير .
ظاهرة متفاقمة تهدد الفضاءات العامة
لم يعد ملف الكلاب الضالة بأكادير حالة عابرة، بل تحول إلى ظاهرة يومية تؤرق بال المواطنين في عدة مناطق، لا سيما بنسركاو وأحياء المسيرة وليراك والهدى والسلام والحي المحمدي وأمسرنات . ويزداد حضور هذه الكلاب الملحوظ في الشوارع الرئيسية والفرعية خلال فترات الصباح الباكر والليل، مما أربك تفاصيل الحياة اليومية للساكنة؛ إذ اضطر الكثيرون إلى تغيير أوقات خروجهم من المنازل وتفادي المرور عبر بعض الأزقة الحيوية .
ولا تقتصر مخاطر الظاهرة على الشق الأمني والبدني فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على البيئة والنظافة العامة. إذ تعمد هذه الكلاب إلى تمزيق أكياس النفايات وتشتيت الأزبال في أرجاء الأزقة، مما يخلق بؤراً ملوثة توفر بيئة خصبة لتكاثرها واستمرار تناسلها .
وفي منطقة تمراغت شمال أكادير، عاد الموضوع إلى واجهة النقاش المحلي بعد تنبيه المواطنين إلى تزايد حضور الكلاب الضالة في شوارع قريبة من الفضاءات السياحية والشاطئية، تزامناً مع اقتراب موسم الصيف. ويرى مهنيون ومتابعون أن أي إحساس بعدم الأمان في الفضاء العام قد يؤثر سلباً على تجربة الزوار وعلى النشاط الاقتصادي المحلي المرتبط بالسياحة .
السياق الوطني: استراتيجية وطنية وتحديات في التنفيذ
على المستوى الوطني، يندرج ملف الكلاب الضالة ضمن استراتيجية حكومية أطلقتها وزارة الداخلية، تقوم على مقاربة “الالتقاط، التعقيم، التلقيح ثم الإطلاق”. وقد تمت تعبئة ما يقارب 240 مليون درهم خلال السنوات الخمس الماضية لإنشاء وتجهيز مصحات بيطرية في عدد من المدن، من بينها أكادير التي يظهر مركزها البيطري نسبة تقدم تفوق 95% .
وفي يوليو 2025، صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها، والذي يهدف إلى توفير إطار قانوني خاص يضمن تدبيراً أكثر فعالية لهذه الحيوانات، مع التوفيق بين متطلبات الصحة العامة وسلامة المواطنين وحماية الحيوان .
غير أن التطبيق الفعلي لهذه الاستراتيجية يظل محفوفاً بتحديات كبيرة. فقد أشار الدكتور بدر تناشري الوزاني، رئيس الهيئة الوطنية للأطباء البيطريين، إلى أن تدبير ملف الكلاب الضالة يقع ضمن مسؤولية الجماعات الترابية، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأطباء البيطريين مستعدون للمساهمة في أي حملة تستهدف هذه الحيوانات. وأوضح أن عمليات الالتقاط والنقل والتعقيم والتلقيح وتحديد الهوية وإعادة الإطلاق تتطلب تدخل أطراف متعددة، مشيراً إلى أن اتفاقية تعود إلى سنة 2018 جمعت الجماعات الترابية ووزارة الداخلية والمكتب الوطني للسلامة الصحية والهيئة الوطنية للأطباء البيطريين، لكن تنفيذها عرف صعوبات وتأخيرات قبل انطلاق عمليات في عدة مدن .
وتشير بيانات رسمية إلى أن المغرب يسجل سنوياً ما يقارب 28 حالة وفاة بشرية بسبب داء السعار، مما يجعل توسيع التغطية التلقيحية إحدى الركائز الأساسية للوقاية من انتقال المرض من الحيوان إلى الإنسان . كما تم تسجيل أكثر من 100 ألف حالة عض وخدش في سنة 2024، بينما تسبب داء السعار في 33 حالة وفاة، مع تحديد الكلاب الضالة كمتجهات رئيسية لأمراض خطيرة .
مطالب بتدخل عاجل ومستدام
في ظل هذا الوضع، تتصاعد أصوات الساكنة والفعاليات المحلية المطالبة بتحرك فوري لمصالح جماعة أكادير والسلطات المعنية، لوضع حد لظاهرة انتشار الكلاب الضالة التي باتت تشكل تهديداً مباشراً للسلامة الجسدية للمواطنين، لا سيما الأطفال منهم . ويطالب السكان والمهتمون بالشأن المحلي بتنظيم حملات ميدانية للحد من انتشار الكلاب الضالة، وتعزيز المراقبة في النقاط القريبة من الشاطئ والمسارات التي يعرفها الزوار، بما يضمن حماية السكان والسياح على حد سواء .
كما يدعو متتبعون إلى التعامل مع الظاهرة ضمن مقاربة مستمرة لا تقتصر على التدخلات الموسمية، تجمع بين حماية السلامة العامة، واحترام المعايير الصحية، والحفاظ على جاذبية المنطقة السياحية، خاصة أن شاطئ أنزا يفترض أن يكون فضاءً آمناً للاستجمام والتنزه، لا مصدر خوف وتهديد للأسر وأطفالها .
ويبقى السؤال المطروح: إلى متى ستظل الكلاب الضالة مصدر رعب في شوارع أكادير وشواطئها؟ ومتى ستظهر نتائج ملموسة على أرض الواقع؟ فحماية أرواح المواطنين وسلامتهم مسؤولية لا تحتمل التأجيل، وهو ما يفرض على الجهات المعنية التحرك العاجل لتقييم الوضع واتخاذ إجراءات فعالة، بدل انتظار وقوع ضحايا جدد حتى يتحول هذا الملف إلى أولوية .