أخبار عامة

باريس تعتزم تسليم الرباط أرشيفًا تاريخيًا يتعلق بـ”الصحراء الشرقية”: ملف قد يعيد رسم الحدود في شمال أفريقيا

باريس/الرباط

— كشفت تقارير إعلامية متطابقة عن توجه الحكومة الفرنسية لإعداد حزمة من الوثائق الأرشيفية الورقية ذات الصلة بملكية الأراضي في ما يُعرف بـ”الصحراء الشرقية”، بهدف تسليمها إلى السلطات المغربية في الأشهر المقبلة، في خطوة يُرجَّح أن تتزامن مع الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس في فصل الخريف. ولم يصدر أي تأكيد رسمي من الجانبين الفرنسي والمغربي بشأن تفاصيل هذه الحزمة أو نطاقها القانوني، غير أن توقيتها ورمزيتها يضعانها في قلب التحولات الجارية في موازين القوى الإقليمية.

الأرشيف بين الرمزية السياسية والقيمة القانونية

تشير المعطيات المتداولة إلى أن الوثائق المعنية تعود إلى مرحلة الحماية الفرنسية وما تلاها، وتتعلق بترسيم الحدود الإدارية بين المغرب والجزائر قبل استقلال الأخيرة عام 1962، ولا سيما المناطق التي تُعرف في الخطاب المغربي بـ”الصحراء الشرقية”، وعلى رأسها تندوف وبشار. و تلمسان ويرى الجانب المغربي أن هذه الوثائق قد تدعم روايته التاريخية القائلة بأن تلك المناطق كانت خاضعة لسيادة السلطان المغربي قبل أن تُضم إداريًا إلى الجزائر الفرنسية.

غير أن الملاحظ في تقدير الأثر القانوني لهذه الوثائق لا تخلو من مخاطر تحليلية. فالحدود الجزائرية الحالية تستند إلى مبدأ حرمة الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو مبدأ أقره الاتحاد الأفريقي ومنظمة الوحدة الأفريقية، ويحظى بدعم في إطار الأمم المتحدة. ومن ثم فإن تسليم أرشيف تاريخي، مهما كانت دلالته الرمزية، لا يمكن أن يغيّر بمفرده وضعًا حدوديًا قائمًا ومعترفًا به دوليًا. الأثر الحقيقي لهذه الخطوة يقع بالأحرى في مجال التعبئة السياسية الوطنية، حيث يوفّر مادة جديدة للخطاب المغربي المطالب باسترجاع الأقاليم الشرقية.

السياق: تحول فرنسي واضح نحو الرباط

تندرج هذه الخطوة في سياق تحول استراتيجي أعلنته باريس صراحة. ففي يوليو 2024، وجّه الرئيس إيمانويل ماكرون رسالة إلى الملك محمد السادس أكد فيها أن “حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية”، واصفًا مخطط الحكم الذاتي المغربي بأنه “الأساس الوحيد للحل السياسي”. وقد أغضب هذا الموقف الجزائر التي استدعت سفيرها من باريس، ولم تشهد العلاقات بين البلدين أي انفراج جوهري منذ ذلك الحين.

وفي يوليو 2026، قاد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو وفدًا وزاريًا موسعًا إلى الرباط، جدّد خلاله التأكيد على الموقف الفرنسي “الثابت” من سيادة المغرب على صحرائه. ويأتي الحديث عن أرشيف “الصحراء الشرقية” ليكمل هذا المسار، بوصفه إشارة حسن نية إضافية تُقدَّم للرباط في مرحلة تشهد فيها العلاقات الفرنسية-الجزائرية جمودًا غير مسبوق منذ عقود.

الضغوط الأمريكية وتغيّر الخطاب الجزائري

يتزامن هذا التطور مع ضغوط أمريكية متصاعدة على الجزائر. فقد أفادت تقارير إعلامية بأن واشنطن تضغط على الجزائر للانخراط بجدية في مفاوضات الصحراء المغربية في إطار قرار مجلس الأمن رقم 2797، مستخدمةً أدوات الضغط الاقتصادي والتصنيف السياسي لـ”البوليساريو”. وقد لوحظ في هذا السياق تحوّل طفيف في خطاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي لم يعد يصرّ على صيغة “استفتاء تقرير المصير”، بل اكتفى بالقول إن “القرار بيد الصحراويين أنفسهم”، وهو ما قرأه مراقبون تراجعًا تكتيكيًا في ظل الضغوط الدولية.

وفي هذا الإطار، فإن فتح ملف “الصحراء الشرقية” من الزاوية الفرنسية يضاعف من عبء الجزائر: فبينما تواجه تحديات على جبهة الصحراء الغربية، تجد نفسها مطالبة بالرد على طرح يمسّ حدودها الجنوبية الغربية مباشرة، وهو ما تعتبره مساسًا بسيادتها ووحدتها الترابية.

زيارة الملك ومعاهدة “غير مسبوقة”

ترتبط قضية الأرشيف ارتباطًا وثيقًا بجدول زيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا. فقد اقترحت باريس في البداية استقبال العاهل المغربي في خريف 2026، قبل أن يُرجَّح تأجيل الموعد إلى يناير 2027، مع استمرار التنسيق حول التاريخ النهائي. وتُعدّ هذه الزيارة الثانية من نوعها منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش عام 1999، بعد زيارة عام 2000.

وتتحدث مصادر دبلوماسية عن نية الطرفين توقيع معاهدة صداقة ثنائية توصف بأنها “غير مسبوقة”، إذ ستكون الأولى من نوعها بين فرنسا ودولة غير أوروبية. وإذا ما أُعلن عن تسليم الأرشيف في هذا الإطار أو على هامشه، فإن ذلك سيمنح الخطوة بعدًا رمزيًا يتجاوز بكثير البعد الإداري، ويجعلها جزءًا من إعادة تعريف العلاقة الثنائية برمّتها.

ما لم يُحسم بعد

يبقى من الضروري التمييز بين ما هو مؤكد وما هو متداول. فحتى الآن، لا توجد وثائق رسمية منشورة تحدد محتوى الأرشيف أو نطاقه أو صيغته القانونية، كما لم تعلن باريس أو الرباط رسميًا عن أي اتفاق تسليم. والتفسيرات التي تتحدث عن “إثبات الحقوق المغربية في تندوف وبشار” تعبّر عن تطلعات في الأوساط المغربية أكثر مما تعكس التزامًا فرنسيًا موقّعًا.

كما أن الفجوة بين القيمة الرمزية للأرشيف والقيمة القانونية له تظل واسعة. فحتى لو سلّمت فرنسا سجلات إدارية أو عقارية من الحقبة الاستعمارية، فإن أثرها المباشر على الترتيبات الحدودية القائمة يبقى محدودًا في ضوء القانون الدولي ومبادئ الاتحاد الأفريقي. والتأثير الأكثر واقعية يتمثل في الديناميكية السياسية والإعلامية التي تخلقها: إذ تمنح الرباط شرعية جديدة لخطابها الوطني، وتزيد في المقابل من قلق الجزائر وحساسيتها تجاه الموقف الفرنسي.

لم يُحسم بعد ما إذا كانت باريس ستسلّم هذا الأرشيف فعليًا خلال زيارة الملك محمد السادس أم لا. لكن مجرد تسرّب أنباء التحضير لذلك يكفي للدلالة على حجم الميل الفرنسي في ميزان القوى المغاربي. فبالنسبة للمغرب، الخطوة مكسبًا دبلوماسيًا في ملف طالما اعتُبر من المحرّمات؛ وبالنسبة للجزائر، فهي جبهة جديدة تُضاف إلى ضغوط الصحراء الغربية المغربية؛ أما بالنسبة لفرنسا، فإن إدارة التداعيات طويلة الأمد لهذا الميل — بما في ذلك القطيعة المتنامية مع الجزائر — ستكون أهم وأصعب من تسليم حزمة من الوثائق.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button