تبسيط إجراءات البناء بالعالم القروي.. ضرورة ملحة لإنصاف الساكنة وتحقيق تنمية متوازنة

محمد اوراغ
العالم القروي – لا تزال مساطر البناء في عدد من المناطق القروية والجبلية تثير تساؤلات لدى المواطنين بشأن مدى ملاءمتها للخصوصيات المحلية، في ظل التحديات التي تواجه الأسر الراغبة في تشييد مساكنها أو إصلاحها، خاصة بالمناطق النائية التي تتسم ببعد المرافق الإدارية وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وتجد بعض الأسر القروية نفسها أمام إجراءات إدارية تتطلب وقتاً وجهداً وتكاليف إضافية، سواء بسبب تعدد الوثائق المطلوبة أو الحاجة إلى التنقل المتكرر بين المصالح المعنية. وتزداد حدة هذه الصعوبات بالنسبة إلى المواطنين ذوي الإمكانيات المحدودة، الذين يشكل بناء مسكن لائق بالنسبة إليهم حاجة اجتماعية أساسية، وليس مجرد مشروع عمراني.
وفي المناطق الجبلية، حيث تفرض الطبيعة الجغرافية تحديات إضافية على الساكنة، تبرز أهمية مراجعة أساليب تدبير ملفات البناء بما يراعي خصوصيات المجال القروي، ويساهم في تقريب الإدارة من المواطنين، دون المساس بالقوانين والضوابط المنظمة للتعمير.
ويرى أنصار تبسيط هذه المساطر أن تحقيق الإنصاف المجالي يقتضي اعتماد إجراءات واضحة وميسرة، وتوفير المعلومات الضرورية للمرتفقين، وتقليص آجال معالجة الطلبات، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجماعات الترابية والمصالح التقنية والإدارية المختصة، بما يحد من التعقيدات غير الضرورية ويخفف الأعباء عن الأسر القروية.
كما أن توفير المواكبة الإدارية والتقنية، خصوصاً لفائدة المواطنين الذين يجدون صعوبة في فهم المساطر المعمول بها، من شأنه أن يسهم في تحسين العلاقة بين الإدارة والمرتفقين، ويعزز الثقة في المؤسسات، فضلاً عن تشجيع الساكنة على الاستقرار في مناطقها والمساهمة في تنميتها.
ولا يقتصر أثر هذا التوجه على تسهيل بناء المساكن فحسب، بل يمتد إلى دعم التنمية المحلية والحد من مظاهر الهجرة القروية المرتبطة بصعوبة ظروف العيش، إذ إن توفير شروط الاستقرار وتحسين جودة الحياة يظلان من العوامل الأساسية للحفاظ على حيوية القرى والمناطق الجبلية.
وفي المقابل، فإن المطالبة بتبسيط مساطر البناء لا تعني تجاوز القوانين أو التهاون في شروط السلامة، وإنما تستدعي إيجاد صيغة متوازنة تجمع بين احترام ضوابط التعمير ومراعاة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للساكنة، مع اعتماد حلول عملية تتناسب مع طبيعة المناطق القروية واحتياجاتها.
إن تسهيل إجراءات البناء بالعالم القروي لم يعد مجرد مطلب إداري، بل أصبح قضية مرتبطة بالكرامة الإنسانية والعدالة المجالية والحق في الاستقرار. وهو ما يستدعي تضافر جهود مختلف المتدخلين من أجل بلورة مقاربة أكثر مرونة وفعالية، تجعل الإدارة في خدمة المواطن، وتضمن في الوقت نفسه بناءً منظماً يحترم القانون ويستجيب لمتطلبات التنمية المستدامة.
ويبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من تدبير إداري موحد لا يراعي دائماً اختلاف الخصوصيات المحلية، إلى مقاربة منصفة تستحضر واقع المناطق القروية والجبلية، وتمنح ساكنتها فرصاً أفضل للعيش الكريم والمساهمة في تنمية مجالاتها.



