أخبار عامة

تقرير خاص: مجلس جهة سوس ماسة وتدبير المال العام

تضع خلاصات تقرير مشترك بين المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، برسم سنتي 2022 و2023، تدبير مجلس جهة سوس ماسة على محك المساءلة بشأن حكامة المال العام ونجاعة الإنفاق ومدى الالتزام بالتوصيات الرقابية. فبين ارتفاع المديونية وتراجع الفائض الحقيقي وملاحظات تخص تحصيل الموارد وتدبير النفقات والصفقات العمومية، يبرز سؤال جوهري: إلى أي حد نجح المجلس في الموازنة بين الإمكانات المالية المتاحة وانتظارات التنمية الجهوية؟

مديونية تتجاوز مليار درهم وضغط على الميزانية

من أبرز المؤشرات الواردة في المعطيات المتاحة أن أصل ديون الجهة بلغ نحو 1.178 مليار درهم، بارتفاع نسبته 30.23 في المائة خلال سنة 2023. كما بلغت خدمة الدين ما يعادل 43.32 في المائة من نفقات التسيير، وهو معطى يطرح تساؤلات حول هامش المناورة المالية المتاح للمجلس وقدرته على الموازنة بين الالتزامات المالية وتمويل المشاريع التنموية.

وفي السياق ذاته، تراجع الفائض الحقيقي من نحو 163.6 مليون درهم سنة 2022 إلى 28.6 مليون درهم سنة 2023، بما يعكس تقلصا ملحوظا في المؤشر المالي المعتمد لتقييم وضعية الميزانية.

ولا تعني هذه الأرقام في حد ذاتها وجود اختلال غير مشروع، لكنها تفرض توضيح أسباب تطور المديونية وتراجع الفائض، ومدى انعكاس ذلك على تنفيذ البرامج والمشاريع المبرمجة لفائدة أقاليم الجهة.

كراء السيارات بملايين الدراهم: أولوية تدبيرية أم عبء إضافي؟

من بين النفقات التي تستدعي التوضيح، تسجيل كلفة سنوية لكراء السيارات تناهز 2.66 مليون درهم، إلى جانب معطيات بشأن مصاريف أتعاب المحامين التي بلغت 80 ألف درهم سنويا، وفق المعطيات الواردة في التقرير المتداول.

وتطرح هذه الأرقام سؤالا حول مدى ملاءمة هذه النفقات لحاجيات الإدارة الجهوية، ومدى خضوعها لتقييم دوري يوازن بين الضرورة الإدارية وترشيد المال العام، خصوصا في سياق مالي يتسم بارتفاع المديونية وتراجع الفائض الحقيقي. فالمسألة لا تتعلق بمجرد وجود نفقات للكراء أو للاستشارة القانونية، بل بمدى تبريرها ونجاعتها وارتباطها بحاجيات المرفق العمومي والنتائج المحققة على أرض الواقع.

طرق متدهورة ومشاريع تحتاج إلى تقييم

تثير الملاحظات المرتبطة ببعض مشاريع البنية التحتية والطرق، وما أُشير إليه من عيوب تقنية، تساؤلات حول جودة الأشغال وآليات المراقبة والتتبع، ومدى احترام المواصفات التقنية المعتمدة في إنجاز المشاريع العمومية.

وتكتسي هذه الملاحظات أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع يفترض أن تحسن ظروف التنقل وتدعم التنمية المحلية، إذ لا يكفي رصد الاعتمادات المالية أو الإعلان عن إطلاق الأوراش، بل يتعين أيضا التأكد من جودة الإنجاز واستدامة المنشآت وحماية المال العام من كلفة الإصلاحات المتكررة.

ومع ذلك، فإن تحديد المسؤوليات بشأن أي تدهور أو عيوب تقنية يقتضي الرجوع إلى الملفات التقنية لكل مشروع، ومحاضر التسلم، ونتائج الخبرات عند الاقتضاء، مع التمييز بين الملاحظات الرقابية الأولية وأي مسؤولية قانونية محتملة.

توصيات رقابية لم تنفذ بالكامل

من المؤشرات اللافتة أيضا أن نسبة تنفيذ التوصيات الرقابية السابقة لم تتجاوز، وفق المعطيات الواردة، 18 في المائة، أي توصيتين من أصل إحدى عشرة توصية.

ويطرح هذا المعطى سؤالا حول مدى تفاعل المجلس مع ملاحظات أجهزة الرقابة، والإجراءات المتخذة لمعالجة أوجه القصور المسجلة، والآجال المحددة لتنفيذ التوصيات المتبقية. فأهمية التقارير الرقابية لا تكمن فقط في تشخيص الاختلالات، وإنما في تحويل توصياتها إلى إجراءات عملية قابلة للتتبع والتقييم، بما يعزز الشفافية ويحسن أداء المرفق العمومي.

موارد غير مستخلصة بالكامل وأسئلة حول التحصيل

وفي ما يتعلق باستغلال الموارد الجهوية، تشير المعطيات إلى وجود 97 مستغلا مرخصا في قطاع المقالع، مقابل 26 فقط من المؤدين بانتظام، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

وتستدعي هذه الوضعية توضيحا بشأن آليات مراقبة التصاريح والتحصيل، والإجراءات المتخذة في مواجهة التأخر في الأداء، ومدى انعكاس ذلك على تعبئة الموارد الذاتية للجهة. كما تبرز الحاجة إلى توضيح الملاحظات المرتبطة ببعض الصفقات العمومية والمنح والجوانب المحاسباتية وتدبير الممتلكات والجرد، مع نشر المعطيات التي تسمح للرأي العام بفهم طبيعة هذه الملاحظات والإجراءات التصحيحية المعتمدة بشأنها.

هل يتعلق الأمر بإخفاق في التدبير أم باختلالات قابلة للتصحيح؟

إن تجميع هذه المؤشرات يفتح نقاشا مشروعا حول نجاعة التدبير المالي والإداري بمجلس جهة سوس ماسة، ومدى قدرة آليات الحكامة والمراقبة الداخلية على ضمان حسن استعمال الموارد العمومية.

غير أن الحكم النهائي على أداء المجلس يقتضي قراءة التقرير كاملا، وفحص السياق المالي والاستثماري للجهة، والاطلاع على ردود المجلس بشأن الملاحظات المسجلة، فضلا عن التمييز بين الاختلالات التدبيرية المحتملة والمخالفات التي تستلزم إثباتا قانونيا.

وفي انتظار توضيحات المجلس الجهوي بشأن هذه المعطيات، يبقى السؤال مطروحا: كيف يمكن التوفيق بين مديونية تتجاوز مليار درهم، ونفقات تحتاج إلى التبرير، وملاحظات بشأن جودة بعض المشاريع، وبين انتظارات ساكنة سوس ماسة في التنمية وتحسين البنيات التحتية؟

إن حق الرأي العام في معرفة كيفية تدبير المال العام يقتضي الشفافية وتقديم المعطيات الدقيقة، كما يقتضي إتاحة الفرصة للمجلس المعني لتوضيح موقفه والرد على الملاحظات الواردة في التقرير.


Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button