هل نحن أمام زلزال سياسي يعيد رسم خريطة التحالفات في القارة السمراء؟
في خطوة غير مسبوقة، أعلن الرئيس الجنوب أفريقي السابق جاكوب زوما، زعيم حزب “رمح الأمة” (MK Party)، دعمه الصريح لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب. هذا الموقف، الذي جاء بعد لقاء جمعه بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في يوليوز 2025، لم يكن مجرد تصريح عابر، بل مثّل “زلزالاً دبلوماسياً” هزّ أركان السياسة الخارجية في بريتوريا، وقلب طاولة التحالفات التقليدية في القارة، خاصة بالنسبة للجزائر وجبهة البوليساريو .
زوما يقلب الطاولة: “الحكم الذاتي يضمن السيادة المغربية”
الموقف الذي أعلنه زوما واضح ولا لبس فيه. فقد أكد أن حزبه “يدرك السياق التاريخي والقانوني الذي يعزز مطالب المغرب بالصحراء”، معتبراً أن مقترح الحكم الذاتي “سيسمح بحكم ذاتي محلي كبير لسكان المنطقة، مع ضمان السيادة المغربية على الصحراء” . ولم يكتفِ زوما بذلك، بل دعا المجتمع الدولي إلى دعم هذا المخطط، واصفاً إياه بأنه “الطريق المتوازن الذي يعزز الاستقرار والسلام والتنمية في المنطقة” .
هذا التحول ليس وليد اللحظة. ففي يونيو 2025، أصدر حزب MK وثيقة سياسية بعنوان “شراكة استراتيجية من أجل الوحدة الأفريقية والتحرر الاقتصادي والسلامة الإقليمية: المغرب”، أكد فيها أن الصحراء “كانت جزءاً من المغرب قبل الاستعمار الإسباني في أواخر القرن التاسع عشر”، وأن “المطالبة المغربية تسبق الاستعمار وتستمد أصلها من بيعة القبائل للعرش المغربي” . كما استحضرت الوثيقة المسيرة الخضراء باعتبارها “عملاً من أعمال إنهاء الاستعمار” و”حركة تحرر فريدة وغير عنيفة” .
لماذا يهم هذا التحول؟
لأن جنوب أفريقيا، منذ نهاية نظام الفصل العنصري، كانت أحد أبرز دعامات الدعم الدولي لجبهة البوليساريو، بل وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بالجمهورية الصحراوية المزعومة عام 2004. وكانت بريتوريا تستضيف سنوياً منتديات دبلوماسية داعمة للانفصال، وتعتبر حليفاً استراتيجياً للجزائر في هذا الملف داخل الاتحاد الأفريقي .
اليوم، ومع صعود حزب MK كقوة ثالثة في البرلمان الجنوب أفريقي (58 مقعداً من أصل 400) بعد انتخابات 2024، باتت هذه المعادلة مهددة بالانهيار. فالحزب الذي أسسه زوما بعد انفصاله عن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) الحاكم، يتبنى خطاً مختلفاً تماماً، مستنداً إلى ذاكرة تاريخية مشتركة مع المغرب، حيث يستذكر قادة الحزب أن نيلسون مانديلا تلقى تدريبات عسكرية في المغرب عام 1962، وتلقى دعماً مالياً وعسكرياً من المملكة خلال نضاله ضد نظام الفصل العنصري .
ردود الفعل: هلع في الجزائر وحراك في بريتوريا
لم تمر تصريحات زوما مرور الكرام. ففي غضون 48 ساعة فقط، أرسلت الجزائر وفداً رفيع المستوى إلى بريتوريا، ضم مدير إفريقيا بوزارة الخارجية والجنرال محمد بن سليمان والسفير الجزائري، في محاولة يائسة لاحتواء الموقف ومنع “تأثير الدومينو” الذي قد يطال مواقف دول أفريقية أخرى . كما سارعت السفارة الجنوب أفريقية في الجزائر إلى تنظيم منتدى دبلوماسي داعم للبوليساريو، في خطوة بدت وكأنها محاولة من المؤسسة الحاكمة (ANC) لتهدئة الجزائر والتأكيد على أن الموقف الرسمي للدولة لم يتغير بعد .
لكن الواقع السياسي الداخلي في جنوب أفريقيا يجعل هذا “التمسك” بالخط القديم محفوفاً بالمخاطر. فحزب ANC الحاكم يعاني من تراجع شعبي حاد، واضطر لتشكيل حكومة ائتلافية هشة مع حزب التحالف الديمقراطي (DA) وحزب إنكاثا للحرية (IFP). وفي ظل هذا الضعف، يجد حزب زوما نفسه في موقع قوة، قادراً على التأثير في السياسة الخارجية، بل ومهدداً بإحداث شقوق جديدة في الائتلاف الحكومي إذا ما حاولت بريتوريا التمسك بموقفها القديم .
ماذا يعني هذا للمغرب والقارة؟
إذا تحول هذا الموقف من كونه موقفاً لحزب معارض إلى سياسة رسمية للدولة الجنوب أفريقية في المستقبل، فإن ذلك سيمثل ضربة قاصمة لجهود الجزائر والبوليساريو في القارة. فجنوب أفريقيا ليست مجرد دولة عادية، بل هي عضو في مجموعة البريكس، ولها ثقل دبلوماسي واقتصادي كبير في أفريقيا. سقوط هذا الحليف التقليدي في سلة المغرب سيعزل الجزائر أكثر فأكثر داخل الاتحاد الأفريقي، خاصة أن دولاً وازنة مثل كينيا وغانا وإثيوبيا (عبر مواقف متباينة) بدأت تتحرك هي الأخرى نحو دعم الطرح المغربي .
كما أن التقارب بين الرباط وبريتوريا لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى رؤية اقتصادية استراتيجية. فحزب MK يتحدث عن “تحالف استراتيجي” بين “أول قوتين صناعيتين في أفريقيا”، يشمل التعاون الاقتصادي والأمني والثقافي، في إطار مشروع “التحرر الاقتصادي” للقارة . هذا الطرح يجد صدى لدى قطاعات واسعة في جنوب أفريقيا التي ترى في المغرب شريكاً اقتصادياً موثوقاً، بعيداً عن الإرث الإيديولوجي الذي حكم علاقات بريتوريا بالجزائر لعقود.
الخلاصة: صفيح ساخن ورهانات كبرى
ما يحدث في جنوب أفريقيا اليوم ليس مجرد “مناورة” سياسية عابرة. إنه تعبير عن تحول أعمق في المشهد السياسي الجنوب أفريقي، حيث تتصدع الإجماعات القديمة، وتظهر قوى جديدة لا ترى حرجاً في إعادة النظر في الثوابت الدبلوماسية للدولة. وبينما تحاول الجزائر لملمة جراحها واحتواء الموقف، يبدو أن المغرب قد وجد في خصوم الأمس حلفاء اليوم، في لعبة الشطرنج الأفريقية الكبرى، حيث لا شيء ثابتاً سوى المصالح والذاكرة التاريخية.
السؤال المطروح الآن: هل ينجح زوما في تحويل موقفه من حزب معارض إلى سياسة دولة، أم أن بريتوريا ستظل أسيرة إرثها الإيديولوجي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.