حكومة رشيقة للمغرب: من 20 إلى 24 عضواً لاستعادة الفعالية والمحاسبة
في لحظة سياسية مفصلية، تتجه الأنظار نحو تشكيل الحكومة المقبلة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة تقود الحكومة في تاريخ المغرب. هذه اللحظة التاريخية تفرض نقاشاً جوهرياً حول شكل الجهاز التنفيذي وحجمه. لم يعد السؤال “كم عدد الوزراء؟” ترفاً إدارياً، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بقدرة الدولة على الاستجابة لتحديات المرحلة: تشغيل الشباب، تقليص الفوارق، وحماية السلم الاجتماعي.
المقترح المطروح واضح: حكومة من 20 إلى 24 عضواً كحد أقصى، بمن فيهم رئيسة الحكومة، مع إعادة هندسة القطاعات ودمج الحقائب المتقاربة، والتخلي عن كتاب الدولة، وتقليص الوزارات المنتدبة إلى الحد الضروري. الغاية ليست تقليص العدد لذاته، بل تقليل تداخل الاختصاصات، وتسريع القرار، وربط كل وزير مباشرة بالنتائج والمحاسبة.
لماذا الحجم الصغير أكثر فعالية؟
تشير الدراسات الدولية إلى وجود ارتباط بين حجم الحكومات الكبير وضعف الفعالية الحكومية. تحليل شامل شمل دولاً متعددة أظهر أن حجم مجلس الوزراء يرتبط سلبياً بمؤشرات التنمية البشرية والاستقرار السياسي وفعالية الحكومة، مع وجود “نقطة حرجة” حول 20 عضواً. فوق هذا الرقم، تصبح عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً، وتتشوش المسؤوليات، ويصبح التنسيق بين القطاعات عبئاً بدل أن يكون أداة.
التجارب المقارنة داعمة لهذا التوجه. أيرلندا، التي يقارب عدد سكانها عدد سكان المغرب، تدير حكومتها بـ15 وزيراً فقط. النرويج تعمل بـ20 وزيراً و17 وزارة. سنغافورة تعتمد 21 حقيبة وزارية وتُصنف من بين الأكثر فعالية في العالم. في المقابل، الدول ذات الحكومات المتضخمة غالباً ما تعاني من تشتت المسؤولية: عندما تكون القضية مسؤولية “الجميع”، لا تصبح مسؤولية أحد.
المخاطر المحدقة بالحكومات المتضخمة
الحكومات الكبيرة لا تفرض فقط تكاليف مالية إضافية، بل تخلق مشاكل هيكلية عميقة. عندما تتعدد الوزارات المنتدبة وكتاب الدولة، تتصدع سلسلة المسؤولية: من يحاسب من؟ الوزير الأصلي أم الوزير المنتدب؟ وعندما تتداخل الاختصاصات، يصبح التنسيق بطيئاً، والقرار الحكومي رهينة للتفاوض المستمر بين القطاعات.
النتائج الملموسة لهذا التداخل تظهر في الميدان: تأخر تنفيذ السياسات العمومية، تكرار المشاريع، وضياع الموارد. والأخطر من ذلك، عندما يتحول الجهاز الحكومي إلى بنية ثقيلة، تنشأ “برك مالية” مشتركة تدفع كل وزير للإنفاق في قطاعه دون تحمل التكلفة الكاملة، مما يضعف الانضباط المالي.
دروس من الإصلاحات الدولية
عدة دول متقدمة خاضت تجربة “الحكومة الرشيقة” بنجاح. أستراليا، عام 1987، قامت بإصلاح جذري قلّصت بموجبه 28 حقيبة إلى 16 حقيبة فقط، مع دمج الوزارات في “وزارات عملاقة”، وحققت تحسناً ملموساً في فعالية مجلس الوزراء.
في أوروبا، أطلقت أيسلندا عام 2025 عملية مراجعة للفعالية تلقت أكثر من 10,000 مقترح من المواطنين، بهدف تبسيط الإدارة العامة وتحقيق وفورات تصل إلى 70 مليار كرونة آيسلندية بحلول 2030. السويد دمجت وكالة الإدارة العامة مع هيئة الرقابة المالية الوطنية، ودمجت وكالات أخرى متقاربة، “لتقليل الهياكل الموازية”.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تؤكد أن دمج الوزارات والإدارات “يمكن أن يكون له قيمة كبيرة مقابل المال”، لكنه يحتاج إلى موازنة مع تكاليف التغيير، ورؤية متعددة السنوات، ومراجعات وظيفية لتحديد فرص الدمج.
السياق المغربي: لماذا الآن؟
المغرب ليس بمعزل عن هذه الديناميكيات. الحكومات المتعاقبة عرفت تضخماً في عدد الحقائب والمناصب. الوزارات المنتدبة وكتاب الدولة أصبحت أداة للتوازنات السياسية والترضيات، بدل أن تكون أداة فعالية إدارية. هذا النهج أنتج حكومات يصعب فيها أحياناً تحديد من المسؤول عن ماذا.
المرحلة المقبلة حساسة. التحديات الاجتماعية والاقتصادية تتطلب قرارات سريعة وجريئة. رئيسة الحكومة المقبلة تحتاج إلى فريق متناسق، لا برلمان مصغر يتصارع داخلياً. حكومة من 20 إلى 24 عضواً هي حجم يمكن أن تجتمع بانتظام، وتتخذ قرارات جماعية بسرعة، وتشكل فريقاً منسجماً بدل تجمع للمصالح المتفرقة.
كيف تُنفذ الرشاقة؟
الانتقال من حكومة متضخمة إلى أخرى رشيقة لا يحدث تلقائياً. يتطلب ثلاث خطوات عملية:
أولاً، دمج القطاعات المتقاربة. لا معنى لفصل قطاعات مترابطة عضوياً. الفلاحة والصيد البحري، الصناعة والتجارة، التعليم والعمل، الشباب والرياضة والثقافة – هذه قطاعات يمكن دمجها في وزارات ذات اختصاصات متكاملة.
ثانياً، إنهاء منطق “كتاب الدولة” و”الوزراء المنتدبين” كأداة للتوازن السياسي. إذا كان هناك ضرورة لتوزيع سياسي، فليكن ذلك عبر هيكلة واضحة داخل الوزارات، لا عبر مناصب تنشئ مستويات إضافية من البيروقراطية.
ثالثاً، الربط المباشر بالنتائج. كل وزير يجب أن يكون مسؤولاً عن نتائج محددة وقابلة للقياس. لا مجال لمسؤوليات غائمة أو مشتركة. المحاسبة تبدأ من وضوح المهمة.
الخلاصة
المقترح المطروح ليس تقنياً بحتاً. إنه رؤية سياسية: المغرب يحتاج حكومة قادرة على الفعل، لا حكومة مشغولة بإدارة نفسها. الرشاقة ليست رفاهية إدارية، بل شرط لاستعادة الثقة، وفعالية الإنفاق العمومي، وحماية الاستقرار الاجتماعي.
حكومة من 20 إلى 24 عضواً، باختصاصات واضحة ومسؤوليات محددة، هي خطوة أولى نحو عقد جديد بين المواطن والدولة. المغرب، بموقعه وتاريخه وطموحاته، يستحق جهازاً تنفيذياً بمستوى تحدياته.