من الجذور المغربية إلى السياسة الإسرائيلية: وزيرة النقل ميري ريغيف وهويتها العابرة للثقافات

تُعدّ ميري ريغيف (Miri Regev) واحدة من أبرز الشخصيات السياسية في إسرائيل، حيث تشغل حالياً منصب وزيرة النقل والسلامة على الطرق. لكن خلف هذا المنصب الوزاري، تحمل ريغيف إرثاً ثقافياً عميقاً يعود إلى المغرب، وهو ارتباط لا يقتصر على الذاكرة العائلية فحسب، بل يلعب دوراً خاصاً في علاقات إسرائيل مع المملكة المغربية.
أصول مغربية وذاكرة عائلية
وُلدت ميري ريغيف عام 1965 في مدينة كيريات جات الإسرائيلية، تحت اسم ميري سيبيوني (Siboni). هاجر والدها فيليكس من المغرب إلى إسرائيل، بينما تنحدر والدتها من أصول إسبانية. نشأت ريغيف في بيئة تأثرت بعمق بالتقاليد المغربية، وكانت اللغة الإسبانية حاضرة في منزلها، وكثيراً ما تشير في المناسبات العامة إلى أصولها المغربية.
هذا الإرث ليس مجرد حكاية عائلية، بل شكّل ارتباطاً عاطفياً عميقاً بالنسبة لها. في مايو 2023، زارت ريغيف المغرب بصفتها وزيرة للنقل، في رحلة وُصفت إعلامياً بأنها تجمع بين “المهمة المهنية والانتماء الشخصي”. لم تقتصر الزيارة على تفقد المنشآتTransportية في الرباط وطنجة، بل حرصت على زيارة مدينة العرائش، مسقط رأس والدها، وأدت زيارة إلى قبر جدها في الدار البيضاء. وأكدت ريغيف حينها للصحافة أنها شعرت في مسقط رأس والدها بـ”إحساس العودة إلى الوطن”.
المسار السياسي و”العقدة المغربية”
على الساحة السياسية، تُعرف ريغيف بمواقفها اليمينية الصلبة؛ فقد شغلت منصب المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي ووصلت إلى رتبة عميد، ثم انضمت إلى حزب الليكود وتولت حقائب وزارية عدة، منها الثقافة والرياضة والنقل. غير أن أصولها المغربية تحوّلت في مناسبات دبلوماسية معينة إلى “قوة ناعمة” مميزة.
في فبراير 2025، وخلال مشاركتها في المؤتمر العالمي للسلامة على الطرق في مراكش، جدّدت ريغيف تأكيد دعم إسرائيل لسيادة المغرب على الصحراء، مؤكدة أن هذا الموقف ينبع من “قناعة عميقة”. وأعربت في كلمتها عن اعتزازها بالثقافة المغربية، معتبرة أنها تثمّن كونها جزءاً من “المغربية” (Tamghrabit)، ومؤكدة أن قيم التسامح والانفتاح التي تميز هذا الإرث تشكّل جوهر هويتها. وكانت قد وجهت في وقت سابق تهنئة باللغة العربية للملك محمد السادس بمناسبة عيد ميلاده بعبارة “عاش الملك”، وهو ما أثار تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.
دلالات الهوية السياسية
أصول ريغيف المغربية ليست حالة فريدة في السياسة الإسرائيلية. ففي الحكومة التي تشكّلت عام 2020، كان هناك نحو 10 وزراء من أصول مغربية، ما يعكس عمق جذور الجالية اليهودية المغربية في المجتمع الإسرائيلي. وبالنسبة لريغيف، تشكّل هذه الأصول جزءاً من سرديتها الشخصية، كما تمنحها في تعاملها مع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية طابعاً “جسرياً” في بعض الأحيان.
بطبيعة الحال، غالباً ما تخدم هوية السياسيين أجنداتهم السياسية. فالتصريحات رفيعة المستوى التي أطلقتها ريغيف في المغرب تعبير عن مشاعر شخصية، لكنها تتلاءم أيضاً مع الاستراتيجية الدبلوماسية الإسرائيلية الرامية إلى توسيع العلاقات مع الدول العربية. ولم تقتصر زيارتها للمغرب على مجالات النقل، بل شملت أيضاً زيارة مواقع التراث اليهودي وأنشطة ثقافية.
خاتمة
من أسرة مهاجرة في كيريات جات إلى مركز السلطة السياسية في القدس، يعكس مسار حياة ميري ريغيف التنوع المجتمعي في إسرائيل. إن إفصاحها عن اعتزازها بأصولها المغربية، وتعبيرها الصريح عن ذلك، يقدّم ملاحظة حية لمراقبة العلاقات المعقدة والدقيقة بين إسرائيل والمغرب. وسواء بوصفها سياسية أو ابنة لمهاجرين، فإن قصة ريغيف تثبت أن الجذور الثقافية لا تزال تتمتع بتأثير لا يمكن تجاهله في الحياة السياسية المعاصرة.



