الكاتب الدكتور إبراهيم حدكي
في ظل التمدد العارم للتكنولوجيات الحديثة واكتساح الشاشات الرقمية لمختلف مناحي العيش، تقارب هذه الدراسة بعض التحولاتٍ العميقة في بيئة التلقي المعرفي والفكري ، حيث أضحى المجال التداولي الرقمي عامة والمغربي خاصة، مجالا لخطابات وافدة تقف بين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، مُستغلةً حالة الظمأ المعرفي و الفراغ الروحي الذي يتسم به إنسان اليوم ، لاسيما مع قلة الارتواء من مجالس الذكر والتزكية كما هو ثاوي في تاريخ التراث الديني المشرق بالمملكة.
ولم يعد التحدي في هذا الفضاء محصوراً في موجات التدين البديل، أو السطحية القائمة على تدين الحظوظ، والنزوات الذاتية، ولا في تسامي حضور التيارات الدينية والخطابات التشكيكية فحسب، بل يمتد إلى خطورة تشكُّل التدين الموازي والتدين غير المهيكل المنسلخين في أحايين كثيرة عن التأطير المؤسساتي ورسوخ العلماء.
وتكمن جَسَامة هذا النمط المنفصل، في سعيه للتأثير عن البنى المؤسسة للوطن ، بدءاً بتصورات الأفراد للمؤسسات البنكية والمعاملات المالية، عبر فتاوى تخص التعامل النظامي، مروراً بـ تسميم العلاقات مع المخالفين في المعتقد ببث بذور التكفير والولاء والبراء... والمفاصلة الشعورية ضد الآخر الشريك في الإنسانية أو المواطنة، وصولاً إلى أشد الأخطار والمتمثلة في التشكيك في مفهوم الدولة الوطنية القائمة على السيادة والحدود والمواطنة، والانتقال بها نحو فكرة الدولة الملية، العابرة للحدود التي تلغي خصوصية الوطن ومؤسساته الجامعة.
وتستعين هذه الدعوات غير المسندة، بخصائص الإقناع التقني والجاذبية البرمجية للنفاد إلى العقول والقلوب لدى كافة الفئات والشرائح المجتمعية شباباً وكهولاً، نساءً ورجالاً لسلبهم الإيمان الفطري، و ان شئت قلت التدين الشعبي.. وتفكيك جهازهم المناعي القيمي والمعرفي.
وفي مواجهة هذه التحديات، ينطلق التحليل المقاصدي من العُمق الحضاري للأمة المغربية الممتد من عهد التأسيس الإدريسي وصولاً إلى عصر الدولة العلويّة الشريفة، مستحضراً المعين المتدفق للثوابت الجامعة :
إمارة المؤمنين، والعقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف الجنيدي، باعتبارها الحصن المنيع والسياج الأصيل للفطرة المغربية كما صاغ معالمها أرباب التربية والإحسان والسلوك.
ولمّا كان الاكتفاء بالتحسر والمتابعة غير مجدٍ ومقنع، فإن الدراسة تُبرز حتمية حضور خطة تسديد التبيلغ باعتبارها إبداعا مغربيا وتراكما لارث تزكوي، لتشغل حيزا في قلب المجال التداولي الرقمي المغربي باعتباره ميدان التدافع الفكري الأول، مشددةً على ضرورة بروز *العلماء العضويين المؤثرين* الذين يجمعون بين الرسوخ العلمي والممارسة التزكوية و كذا الوعي بالسياق الرقمي، الذي يحيط بهم، وخوارزمياته ولغته العصرية، ليمارسوا أدوارهم التوجيهية والتخليقية عبر المنصات الرقمية الرسمية .
وذلك من خلال إطلاق مشاريع رقمية بديلة وهادفة تُبث عبرها كبسولات تفاعلية مؤصلة بروح الوسطية والاعتدال وقيم التزكية والإحسان، وتكون راتقة للفجوة بين العلم الموثوق والتربية الإحسانية، تحقيقاً لغاية التمنيع الذاتي للمجتمع، وصيانةً للهوية الدينية والوطنية للمملكة، وضماناً لاستمرار قواعد بناء الإنسان والعمران في ظل الخصوصبة الدينية للمملكة المغربية.