زيارة تاريخية: عندما اختار تشرشل أكادير لرسم لوحته الأخيرة

في فصل الشتاء الدافئ لشهر فبراير من عام 1959، شهدت مدينة أكادير زيارة استثنائية لم تكن مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل كانت لحظة تاريخية جمعت بين السياسة والفن. فقد حل السير وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، برفقة زوجته السيدة كليمنتاين، ضيفاً على المغرب حديث الاستقلال، في زيارة حملت طابعاً خاصاً بعيداً عن صخب العواصم السياسية.
وصول سري واهتمام رسمي
وفقاً للوثائق الصحفية الفرنسية الصادرة آنذاك، أحاطت بالزيارة ترتيبات أمنية مشددة؛ حيث تم إبقاء تفاصيلها سرية حتى اللحظات الأخيرة. وصل الزعيم البريطاني إلى مطار أكادير (المرسى الكبير) على متن طائرة تابعة لشركة “كريستينا” الخاصة، حيث وجد في استقباله حشداً من الشخصيات البارزة. وقد تصدر المشهد كل من السيد “محي الدين الشرقاوي”، والي جهة أكادير، والقائد “قدور”، إلى جانب ممثلين عن الحكومة المركزية والسلطات المحلية، في استقبال يعكس مكانة الضيف ورمزية الزيارة.
بين الرسم والسياسة
لم تكن زيارة تشرشل للمغرب مجرد رحلة استجمام، بل كانت فرصة لرسام موهوب يبحث عن الضوء واللون. فبعد استراحة قصيرة في دار البلدية، وتجوال في شوارع المدينة والمنطقة الصناعية والطرق المؤدية إلى الميناء، توجه الموكب نحو الضيعة التي أعدتها السلطات لإقامته. وهناك، عاد السير وينستون إلى شغفه القديم: الرسم.
تشير التقارير إلى أن تشرشل أمضى ساعات في تأمل المناظر الطبيعية الخلابة لأكادير، حيث قام برسم لوحة زيتية توثق جمال المنطقة. وقد لاقى هذا الشغف صدى كبيراً، حيث حرص عدد من الشخصيات المدنية والعسكرية، يتقدمهم القائد “أحمد بن سعيد” و”عمر لعلج”، على زيارة الضيف في مقر إقامته، لمشاهدة إبداعاته الفنية ومشاركته لحظات التأمل.
تكريم رمزي وتقدير متبادل
في مقر إقامته، استقبل تشرشل وفداً من “الحركة الوطنية” وأعضاء من “جمعية أكادير الكبرى”. وقد عبر الزعيم البريطاني عن سعادته البالغة بهذه الزيارة، مؤكداً تقديره للمجهودات التي تبذلها السلطات المحلية، ومثمناً كرم الضيافة المغربي الذي لمسه في كل محطة من محطات رحلته.
وتُظهر الوثيقة أيضاً جانباً إنسانياً من شخصية تشرشل، حيث لم يبخل بالتعبير عن إعجابه بالمدينة وسكانها، مثنياً على الاهتمام الذي وجده من الشخصيات الوطنية التي حرصت على الترحيب به.
خاتمة
لقد كانت زيارة عام 1959 حدثاً بارزاً في تاريخ أكادير، ليس فقط لأنها استقبلت أحد عظماء القرن العشرين، ولكن لأنها جسدت لحظة التقاء بين ذاكرة المكان وجمال الطبيعة التي أسرت قلب تشرشل، ليبقى أرشيف الصور والكلمات شاهداً على هذه الصفحة المشرقة من العلاقات التاريخية.






