أخبار عامة

غياب غير مشروع داخل المحاكم: حين يصبح الضمير المهني شرطاً لإنقاذ الخدمة العمومية

أعادت التصريحات التي أدلى بها وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، تسليط الضوء على إشكالية الغياب غير المشروع داخل المحاكم والإدارات التابعة لقطاع العدل، بعدما كشف عن نتائج عمليات تفتيش رصدت اختلالات مثيرة للقلق في تدبير الموارد البشرية.

ومن بين المعطيات التي أثارت الانتباه، ما كشفه الوزير بشأن مدينة العيون، حيث لا يتجاوز عدد الموظفين الذين يسجلون حضورهم الفعلي عشرة أشخاص، من أصل 160 موظفاً تابعين للقطاع، وهو فارق كبير يطرح علامات استفهام حول كيفية تدبير مصالح المواطنين في ظل هذا النقص في الحضور. والأكثر إثارة، حديثه عن موظفين لا يزالون مدرجين ضمن لوائح العاملين بالمحاكم المغربية، ويواصلون تسجيل حضورهم في سجلات العمل، رغم إقامتهم الفعلية خارج أرض الوطن رفقة أسرهم.

وقد اكتسبت هذه المعطيات أهمية إضافية بفعل نقل أشغال اللجنة البرلمانية مباشرة، بما أتاح للرأي العام الوقوف على تفاصيل ظلت بعيدة عن النقاش العمومي.

غير أن الأخطر في هذه الاختلالات ليس فقط حجمها، بل ما تكشفه عن تراجع مقلق في الضمير المهني لدى البعض ممن يُفترض أنهم حراس الخدمة العمومية. فالموظف الذي يتقاضى راتبه من مال عام، بينما هو غائب عن مكتبه أو مقيم خارج الوطن، لا يخالف القانون فحسب، بل يخون الأمانة المهنية التي التزم بها تجاه الدولة والمواطن على حد سواء. والمفارقة أن المواطن البسيط، الذي يقصد المحكمة لإنصافه أو استخراج وثيقة تخصه، يجد نفسه أمام شبابيك خالية ومكاتب مهجورة، في حين أن سجلات الحضور تعلن أن الجميع في مكانه.

وهنا يبرز سؤال الضمير المهني بوصفه حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي. فالقوانين والرقابة الإدارية، مهما كانت صارمة، لا تستطيع وحدها أن تضبط سلوك موظف قرر أن يضع مصلحته الشخصية فوق واجبه المهني. إن الضمير المهني هو ذلك الرقيب الداخلي الذي يجعل الموظف يحضر في وقته، ويؤدي عمله بإتقان، ويحترم المال العام، حتى في غياب أي رقيب خارجي. وبدونه، تتحول كل الإجراءات التنظيمية إلى حبر على ورق.

ومما يزيد الأمر خطورة أن هذه الممارسات لا تقتصر على الإخلال بأوقات العمل، بل تمتد إلى المساس بثقة المواطن في مؤسسات الدولة. فالمواطن الذي يرى موظفاً يتقاضى راتبه دون أن يؤدي واجبه، يفقد تدريجياً الثقة في عدالة النظام كله، ويشعر أن القانون يُطبَّق على الضعفاء فقط. وهنا يتضح أن ضعف الضمير المهني لدى فئة من الموظفين لا يضر بمصلحة المواطن المباشرة فحسب، بل يقوّض السلم الاجتماعي والعدالة المجالية والثقة في الدولة.

لذلك، فإن معالجة هذه الاختلالات لا يمكن أن تكتفي بالإجراءات الزجرية، رغم ضرورتها، بل يجب أن تمتد إلى إعادة الاعتبار للضمير المهني كقيمة أساسية في التكوين والتأطير والتحفيز. فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين يستعيد الموظف إحساسه بالمسؤولية تجاه المواطن، ويدرك أن مكتبه ليس مجرد مكان لتسجيل الحضور، بل فضاء لتقديم خدمة تستحق الاحترام. وحين يتحول الضمير المهني إلى ثقافة مؤسسية، تصبح الرقابة مجرد إجراء احتياطي، لا الحل الوحيد.

وتضع هذه التصريحات وزارة العدل أمام اختبار حقيقي، لا يتعلق فقط بكشف الاختلالات، بل بمدى القدرة على ترتيب المسؤوليات واتخاذ إجراءات فعلية تضمن احترام أوقات العمل، وتحمي المال العام، وتضع حداً للممارسات التي تنعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات القضائية. لكن نجاح هذه الإجراءات يظل مرهوناً بعامل لا يمكن لأي قانون أن يعوضه: ضمير الموظف الذي يختار، كل صباح، أن يكون في خدمة المواطن لا في خدمة مصلحته الخاصة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button