
تارودانت تستعد لاستقبال لمسة جديدة من عبق الماضي وجمال الحاضر، في مبادرة تُعيد إلى الأذهان سحر العربات التقليدية بحلة أنيقة وجذابة.
في مشهد يليق بمدينة تعانق التاريخ بحجارتها وأسوارها الصامدة، تستعد تارودانت لاستقبال عربات “الكوتشي” في شكلها النهائي الذي يجمع بين أصالة التراث المغربي وجمالية التصميم الحديث. المبادرة التي تهدف إلى إضافة مشهد سياحي وتراثي مميز لهذه المدينة التي كانت يوماً عاصمة للسلاطين السعديين، ستُتيح للزوار والسياح تجربة مختلفة لاكتشاف معالمها العريقة بطابع يحمل الكثير من المتعة والحنين.
“الكوتشي”.. ذاكرة متحركة تعبر القرون
تعود جذور عربات “الكوتشي” المجرورة بالخيول في المغرب إلى القرن التاسع عشر، حيث استقرت جاليات أجنبية، خاصة التجار البريطانيين، وأدخلوا هذه العربات كوسيلة للنقل . ولم تكن مجرد وسيلة مواصلات، بل ارتبطت بالمكانة الاجتماعية، إذ كانت تستعمل في تنقلات الشخصيات المرموقة والممثلين السامين للسلطات، قبل أن تنتشر بين عموم الناس .
وفي مراكش، التي تُعد الوجهة السياحية الأولى في المملكة، تحولت “الكوتشي” إلى رمز للمدينة الحمراء، وأضحت فاعلاً مهماً في قطاع السياحة، إلى درجة أنها باتت تمثل ذاكرة متحركة زاخرة بقيم مضافة كبيرة . ويرى الباحث الأكاديمي عبد الصمد الكباص أن هذه العربات ليست مجرد وسيلة نقل، بل أسلوب حياة يقوم على البساطة والتأني والهدوء، بعيداً عن أي تكلف أو تصنع .
تارودانت.. مراكش الجديدة تستعيد سحر الماضي
مدينة تارودانت، التي يطلق عليها البعض “مراكش الصغرى” بفضل أسوارها التاريخية الضاربة في القدم، والتي كانت عاصمة للسلاطين السعديين قبل انتقالهم إلى مراكش، تستعد اليوم لاستضافة هذا التراث النابض بالحياة . فما يزيد جمال هذه المبادرة أنها تأتي في مدينة تزخر بالتاريخ، حيث يمكن للزائر التجول في ظلال الأسوار التي تقف شامخة منذ خمسة قرون، وتشهد على مجد غابر لا يزال حياً في وجدان المكان .
المبادرة الجديدة، التي تشمل تجهيز العربات بمصابيح للإنارة ومنبهات صوتية، تسعى إلى الارتقاء بخدمات النقل السياحي مع الحفاظ على الطابع التراثي للمدينة . ويأتي هذا التطوير ليعيد الاعتبار لعربات “الكوتشي” التي ظلت لسنوات وسيلة نقل أساسية، لكنها اليوم تكتسب بعداً سياحياً وتراثياً جديداً.
جولة في عبق التاريخ
لا تكتمل زيارة المدن العريقة في المغرب دون ركوب “الكوتشي”، فصوت أجراس الخيول المعلقة في أعناقها يعيد الزائر إلى زمن تفوح منه رائحة التاريخ . وعربات “الكوتشي” التي ستنطلق من داخل أسوار تارودانت لتجوب معالمها، ستُتيح للزوار فرصة استكشاف المدينة بطريقة تختلف عن أي وسيلة نقل أخرى، حيث تتجلى دهشة السائح وهو يرى معالم المدينة تتراءى أمامه تحت وقع حوافر الخيول المتناغمة مع إيقاع المكان .
وتظل مهنة سائقي هذه العربات، التي يتطلب بعضها إتقان لغات أجنبية وتكويناً في قانون السير، مهنة عشق ومتعة، كما يصفها القيمون عليها، الذين يعتبرون الخيول جزءاً من أسرهم، ويعتنون بها كأبناء لهم . وبينما تواجه هذه العربات اليوم منافسة من وسائل سياحية حديثة، تظل قادرة على الصمود بفضل ما تحمله من روح وأصالة، وبفضل جهود السلطات التي تسعى إلى هيكلة هذا القطاع وحمايته كتراث لا مادي .
خاتمة
في مدينة تارودانت التي تتداخل فيها الحداثة مع التقاليد، وتلتقي فيها الطبيعة الخلابة بالثقافة العريقة، سيكون لـ”الكوتشي” بصمة خاصة . فالمبادرة ليست مجرد إدخال عربات جديدة، بل هي استحضار لعنصر من عناصر الهوية المغربية الأصيلة، وإضافة نوعية للمشهد السياحي في مدينة تنتظر من يعيد اكتشاف جمالها. إنها دعوة مفتوحة للزوار لخوض تجربة مختلفة، حيث يلتقي عبق التاريخ بسحر الحاضر، وتُكتب ذكريات لا تُنسى على إيقاع خطى الخيول بين أسوار مدينة عريقة.



