أخبار دوليةسياسة

الجزائر بين المطر والبرق: رقصة السياسة على خيط أمريكي رفيع


من يتابع الموقف الجزائري من قضية الصحراء المغربية بعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب، يظن للوهلة الأولى أن الجزائر قد اكتشفت لتوها فن “الدبلوماسية الصامتة”. فهي تقول ولا تقول، تندد دون أن ترفع الصوت، وتُظهر الرفض دون أن تُغضب. وكأنها تحاول الركض بين قطرات المطر وتفادي البرق في آنٍ معاً.

منذ اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء، دخلت الجزائر في حالة من الانكماش الاستراتيجي. على المستوى الرسمي، تصدر بيانات تعبر عن “أسفها” و”رفضها” و”تمسكها بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها”، لكنها حريصة كل الحرص ألا تتجاوز خطوطاً حمراء قد تزعج العم سام. فالتصعيد مع قوة عظمى، حتى من باب المبدأ، لم يعد منسجماً مع منطق البقاء السياسي في عالم متعدد القطبية… أو هكذا يبدو.

فمن جهة، تدّعي الجزائر أنها ليست طرفاً في النزاع، لكنها في الوقت نفسه تعلن مواقفها من كل تطور يخص هذا النزاع، وتهاجم المغرب في كل منبر، وتدعم جبهة البوليساريو سياسيًا، دبلوماسيًا، بل وعسكريًا. ومن جهة أخرى، تريد أن تحافظ على صورتها كقوة إقليمية “محايدة”، عقلانية، لا تبحث عن التصعيد… وكأنها تقول للعالم: “نحن لسنا طرفاً، لكننا نغضب كثيراً حين لا يتم الإصغاء إلينا”.

التناقض الجزائري لا يتوقف عند حدود الصحراء. ففي الوقت الذي تندد فيه بما تسميه “التحيز الأمريكي”، تستمر في شراء السلاح من روسيا، وتحاول كسب ود الصين، وتتودد للاتحاد الأوروبي حينما يخص الأمر الغاز، وتغازل واشنطن حينما يتعلق الأمر بالتنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب.

هذا السلوك المزدوج، أو ما يمكن وصفه بـ”الحياد المشروط”، لا يعكس فقط ارتباكاً في الموقف، بل يكشف عمق المأزق الجيوسياسي الذي تعيشه الجزائر. فهي لا تستطيع مجاراة التحولات الإقليمية الجديدة بقيادة مغربية واضحة، ولا تملك أدوات كافية لمقارعة النفوذ المغربي المتزايد قارياً ودولياً، لا سيما بعد أن أصبح للمغرب أصدقاء كبار من وزن أمريكا، وإسرائيل، ودول الخليج، وحتى من قلب إفريقيا.

أما الشعب الجزائري، فهو غالباً ما يُترك خارج هذا الحساب. لا أحد يشرح له لماذا تُصرف الملايير على مشروع خاسر اسمه البوليساريو، ولا لماذا تُختزل السياسة الخارجية للبلاد في قضية لم تجلب سوى العزلة والتوتر.

في النهاية، المشهد يشبه راقصاً فوق أرض زلقة، يركض بين المطر والبرق، لا يريد أن يُبلّل كبرياءه ولا أن يُحرق كرامته… لكنه ينسى أن الأرض من تحته تتغير، وأن الرقص الطويل قد ينتهي بسقوط غير محسوب.


Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button