أخبار عامة

لشكر يُهيئ العرش لنفسه.. وحاشيته تُخفي الخناجر تحت الطاولة


كيف يمكن الوثوق بإدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو من حوّل الوعود إلى فقاعات كلام لا تصمد أمام أول اختبار للمصلحة الشخصية؟ ففي كل ولاية، يطلق الرجل وعودا براقة سرعان ما تُدهس تحت أقدام حساباته الخاصة ومناوراته الظرفية.

الكل يتذكر ولا مجال للنسيان هنا ، كيف أكد مرارا خلال ولايته الثانية أنه لن يترشح لولاية ثالثة. ثم خرج علينا بوجه بارد، قائلا إن المؤتمر هو من “فرض” عليه العودة، وأن تعديل القانون الأساسي جاء من “إرادة القواعد”. فتنكّر لوعده العلني، وحوّل كلماته إلى حبر سياسي تبخّر مع أول نسمة مصلحة. وسقط قسمه الأخلاقي سقوطا مدويا تحت أقدام الطموح الشخصي الجامح.

اليوم، يعيد لشكر إنتاج نفس المسرحية. فالرجل الذي صرّح بوضوح أن وضعه “لا يسمح قانونا ولا صحيا ولا أخلاقيا” بولاية رابعة، يهمس الآن في الكواليس برغبته في البقاء. لماذا؟ لأن الولاية الرابعة هذه المرة ليست مجرد طموح سياسي، بل “خطة نجاة عائلية”. يريد بها أن يضمن مقعدا في الحكومة المقبلة، لا خدمة للحزب أو للوطن، بل من أجل تأمين منصب لابنه، ومستقبل سياسي لابنته.

الحزب، في قاموس إدريس لشكر، لم يعد أداة نضال، بل تحوّل إلى شركة عائلية تُدار بعقلية الورثة، ويُقصى منها كل من يجرؤ على التفكير بمنطق الديمقراطية.

ألم يكن هو من ردد أن “الثالثة ثابتة”؟ لكنه لم يحصد منها سوى الخيبة السياسية والخذلان الانتخابي. ومع ذلك، لم يتزحزح. يتشبث بالموقع كمن يرى في الحزب قارب نجاة شخصي من الغرق السياسي القادم.

وحين فشل تمرير ملتمس الرقابة ضد حكومة أخنوش، طفت على السطح علامات استفهام كبرى: هل فعلا تم خداع باقي الأحزاب؟ هل جرت مفاوضات في الخفاء مع أخنوش؟ إنها أسئلة لن يُجيب عنها إلا التاريخ. لكن ما نعرفه اليوم هو أن الحقيقة دفنت في الكواليس… وهناك من يملك مفاتيحها، ويحرسها بنهم..والمقربون والمقربات منه يعرفون كل الحقائق وإذا ما تم التخلي عن بعضهم او استبعادهم(ن) سيتم فضحه او كشف ما دار في الكواليس(…)، دون الحديث عن التزكيات الانتخابية …

عندما انفجرت فضيحة ملتمس الرقابة ، خرجت كتائب لشكر الإلكترونية من جحورها لتبرر وتلمّع وتحوّل الهزيمة إلى “إنجاز”، والخيانة إلى “دهاء سياسي”. فهم أنفسهم من دافعوا عنه يوم “البلوكاج”، وهم أنفسهم من سينقلبون عليه أول ما يجدون من يدفع أكثر. ولشكر يعرف ذلك، ويخشاه.

لذلك، لم يعد يثق في أحد. يخشى انقلابا داخليا شبيها بما حدث مع اليازغي. لم تعد ثقته إلا في ابنته وابنه. فطبيعي إذن أن يتحول حزب سياسي كبير إلى ملكية عائلية تُدار بعاطفة مريضة، وريبة مزمنة، وهوس دائم بالإقصاء.

والمثير للسخرية، أن بعض الموالين له ممن يطبلون اليوم، يدركون تماما أنه لا يثق بهم، ولا يعتبرهم شركاء، بل أدوات مؤقتة في مسرحية التمديد. وهو بدوره يعرف أنهم لا يؤمنون به، بل فقط بما يمنحه من منافع ومواقع. إنها علاقة نفعية خالية من أي قناعة، سرعان ما تتهاوى مع أول رجة داخلية أو صفقة خارجية.

ورغم ذلك، يخرج علينا بثقة مثيرة للدهشة، ليقول إن “المناضلين والمناضلات متشبثون به”. فمن هم هؤلاء؟ هل يقصد أولئك الذين يطالبونه بالرحيل يوميا على منصات التواصل؟ أم يقصد الذين استفادوا من ريع المناصب، وتوزعت عليهم الامتيازات؟ مدير الفريق البرلماني، صنّاع الدراسات الوهمية، أساتذة الجامعات الذين تخرجوا من رحم الولاء… هؤلاء هم المتشبثون، لا لأجل الحزب، بل لأجل أرصدتهم ومصالحهم.

إدريس لشكر اليوم لا يمثل الاتحاد الاشتراكي، بل يمثل نموذج الزعامة التي لا ترحل إلا بالاقتلاع. زعامة قامت على التبرير، والانتهازية، وتوزيع الغنائم، لا على المشروع الفكري أو الشرعية الديمقراطية.

الحزب في عهده لم يصعد، بل احترق، وهو اليوم يرقد في غرفة الإنعاش. قائده يتحكم بجهاز التنفس الاصطناعي، يراقب المؤشرات، ويمنع أي محاولة لإنقاذ الحزب خارج إرادته. لا أحد من “المريدين” يجرؤ على الكلام، ولا أحد من “العقلاء” تجرأ على قول كلمة حق، لأن الجميع غارق في مقايضة الولاء بالموقع.

ما نعيشه اليوم ليس مؤتمرا ديمقراطيا ولا نقاشا تنظيميا، بل بروفة مشوهة لولاية رابعة، تُفصل على المقاس، وتُمهدها لجنة تحضيرية مُعلبة، ونخب حزبية بلا أنياب.

الاتحاد الاشتراكي يعيش أسوأ لحظاته، ليس لأنه يُقاد بقبضة من حديد، بل لأنه فقد البوصلة الفكرية، وانتهى به المسار في فلك الزعيم الواحد… الذي أقسم يوما ألا يعود، فعاد، ضاحكا على الذقون.

لقد أصبح واضحا أن إدريس لشكر لا يرى في الحزب سوى سلّم شخصي، يصعد عليه متى شاء، ويتخلّص منه متى انتهى. لكنه ينسى أو يتجاهل أن الزعامات التي تُبنى على المصلحة تُهدم بالفضيحة، وأن الولاء المصطنع لا يصمد طويلا أمام عاصفة الغضب الشعبي..

إذا كان إدريس لشكر قد تلاعب بالقانون الأساسي للحزب مرارا، فإن التاريخ لا يقبل التعديل، ولا يرحم المراوغين. وما يكتبه اليوم من سطور مريبة في سجل الاتحاد، سيُقرأ غدا كوثيقة إدانة لزعيم أنهك الحزب، وأفرغه من معناه، وزجّ به في نفق التبعية والانكماش.

الاتحاد الاشتراكي لا يحتاج إلى ولاية رابعة بزعيم متهالك، بل إلى عملية إنقاذ جريئة، تُنهي عهد الزعامة الوراثية، وتعيد الحزب إلى سكته النضالية… قبل أن يتحول نهائيا إلى شاهد قبر على زمن سياسي كان، وانتهى، وسُرق وهجه على يد رجل لم يعرف متى يغادر.

العميد حسن المولوع

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button