بلادٌ تُروى ملاعبها… ويُعطّش شعبها

بقلم: سيداتي بيدا
عضو الاتحاد الدولي للصحافة العربية في بلادٍ تُقاس فيها مؤشرات “التقدّم” بعدد المهرجانات لا المدارس، وبصدى الأغاني لا ضجيج أقسام الطوارئ، يصبح من الطبيعي أن تعثر على ملعبٍ بعشب طبيعي يلمع تحت أضواء الكاميرات، في حين يبحث مواطنٌ، على بُعد أمتار، عن نقطة ماء أو موعد في مستوصفٍ بلا طبيب.في مثل هذه البلاد، لا يُعدّ التعليم رافعةً للوعي، بل معبرًا نحو سوقٍ موازية تُدعى “الدروس الخصوصية”؛ حيث المعرفة تُشترى على طاولة الأستاذ، لا تُبنى على مقعد المدرسة. أما النجاح، فله تسعيرة تختلف حسب الموقع والوساطة، ولا يُقاس بالكفاءة بقدر ما يُقاس بسُمك المحفظة.الصحة، بدورها، تحوّلت من حق إلى امتياز. المستشفيات العمومية أضحت بوابات انتظارٍ لا نهاية لها، أجهزتها معطّلة، أطباؤها ندرة، وأمل الشفاء فيها أشبه بفرصة في يانصيب. ومن أراد علاجًا حقيقيًا، فـ”القطاع الخاص يرحّب بك… وببطاقتك البنكية.”ورغم كل هذا، تواصل الدولة ـ بكل جديّة ـ إطلاق المشاريع الترفيهية بسخاءٍ يحسده عليها أهل التعليم والصحة. الملاعب تُشيَّد، المهرجانات تُموَّل، وعقود الرعاية تُمنح بسخاءٍ لنجوم “التفاهة الرقمية”، أولئك الذين يُتقنون الرقص على حساب المعنى، ويتقنون الجذب لا التأثير.إنه زمن “الفرجة الكبرى”، حيث تُخدّر الجماهير بعروضٍ لامعة كي لا تنتبه إلى الطرق التي لم تُعبّد، والمدارس التي لم تُجهّز، والمستشفيات التي لم تُنجز. في هذا المشهد، تُصبح الأضواء بديلاً عن الكهرباء، والموسيقى بديلاً عن الماء، والتصفيق بديلاً عن الإصلاح.ليس في الرياضة عيب، ولا في الفن حرج، ولا في الفرح جُرم. ولكن العيب كل العيب أن تُقدّم الكماليات على الأساسيات، وأن نحتفي بالعرض فيما تتآكل الخشبة، وأن نكرّم التافهين بينما تُهمل العقول النيرة في عز عطشها للاعتراف والدعم.بلادٌ كهذه تُشبه قارورة ماء مقلوبة فوق نار؛ كثيرة الصخب، قليلة الجدوى، تمتلئ بالبخار وتفتقر إلى البلل الحقيقي.بلادٌ تنشغل بطلاء الجدران في حين يتهاوى السقف، وتغسل الواجهة بينما أساسها ينهار بصمت.فإلى متى سنظل نغنّي والقرى بلا كهرباء؟وإلى متى سنرقص على منصّات المهرجانات… بينما المنابر الحقيقية فارغة؟وإلى متى سيبقى المواطن مجرد متفرّج في عرضٍ طويل اسمه: خذلان الوطن؟



