الإسلام الأمازيغي المعتدل والوسطي قبل ظهور إسلام الإخوان والوهابية …

.
يُجسّد الإسلامُ الأمازيغيُّ نموذجًا أصيلًا للتديّن الوسطي الذي يوازن بين الإيمان والهوية، وبين الانتماء الديني والخصوصية الثقافية. لم يكن الإسلامُ، حين وصل إلى شمال إفريقيا، دخيلًا يفرض نفسه بالقوة؛ بل دخل في حوارٍ حضاري مع الإنسان الأمازيغي، فتفاعل معه وتشكّل داخله، ليولد إسلامٌ منفتح، متسامح، وممتزج بروح الأرض والإنسان.
إنه إسلام لا يقوم على الإلغاء أو الصراع، بل على قاعدة بسيطة عميقة المعنى: لك أن تعبد ربك كما تشاء، شريطة ألا تجعل من عبادتك سلاحًا على غيرك. وهو ما يلخصه القول الشهير: “أعبد حتى الحجر شريطة ألا تضربني به.” في هذه الرؤية يصبح الإيمان قيمةً داخلية لا أداة سلطة، ويغدو الاختلاف حقًّا إنسانيًا لا تهديدًا. لذلك حافظ الأمازيغ عبر قرون على نموذج من التدين لا يتعارض مع الأنظمة العرفية، ولا يصنع صراعًا بين المقدس والحياة اليومية، بل يجعل كلاهما يكمّل الآخر. يظهر هذا التوازن في تفاصيل الحياة القروية؛ حيث يظل المسجد (تَمزكيدَا) فضاءً للعبادة لا للسيطرة، وفي جواره تُقام رقصات أحواش جوار المسجد دون اصطدام بين الروحي والثقافي، وكأن الحياة تُنسّق موسيقاها بتناغم طبيعي بين الروح والفن.
أما العمل فله في الثقافة الأمازيغية حضور ديني واجتماعي معًا، لا عبر النصوص فقط بل عبر الممارسة اليومية. تتجلّى هذه الروح في تويزي، وهو نظام التعاون الجماعي في الحصاد والبناء والفلاحة، حيث لا يعمل الفرد لنفسه فقط، بل مع الجميع ولأجل الجميع. فالدين هنا ليس خطبةً من فوق منبر، بل فعلٌ اجتماعي حيّ، يترجم الرحمة إلى عمل، والإيمان إلى تضامن.
وفي مقابل عبادة الله التي تبقى فردية وشخصية، تُدار شؤون الدوّار عبر مجلس جماعي تُتخذ فيه القرارات بالإجماع، ويُعد( أخربيش) نموذجًا لمجمعٍ مُصغّر، خصوصًا في فصل الشتاء؛ وهو فضاء دائري يجتمع فيه رجال القرية للتشاور قبل الأذان أحيانًا، ولحل النزاعات واتخاذ القرارات أحيانًا أخرى. وبينما يسخن الماء للوضوء تُناقَش شؤون الأرض والماء والميراث والزواج، ويتحوّل ذلك الفضاء البسيط إلى برلمان صغير، ديمقراطي في جوهره قبل ظهور المفهوم الحديث للديمقراطية نفسها.
ولضمان عدالة القرار كان الإمام أو الفقيه غالبًا من خارج الدوار أو أحيانا خارج القبيلة، وهذا الاختيار لم يكن صدفة، بل فلسفة واعية تقول إن الدين لا يجب أن يتحول إلى نفوذ، وإن المنبر لا ينبغي أن يكون طرفًا في النزاع. فحين يكون الفقيه ضيفًا، يصبح صوته روحيًا لا سياسيًا، ويظل النص مُطهّرًا من مصالح البشر، فلا يُستخدم الدين سلاحًا للهيمنة بل نورًا للهداية. وهكذا يقوم الإسلام الأمازيغي على أركان واضحة: حرية الاعتقاد دون إكراه والاحترام المتبادل بين الناس والفصل بين الدين وتدبير الخلافات والعمل الجماعي والتضامن الاجتماعي وتحكيم الأعراف مع حفظ جوهر …
إنه إسلام يؤمن بالله دون أن يلغي الإنسان والإنسانية، ويحترم النص دون أن يقتل العرف، ويستوعب الاختلاف دون خوف.
إسلامٌ لا يُكفّر المخالف، ولا يحتكر السكينة، ولا يقسم المجتمع إلى فسطاطين؛ بل يجمع الناس على مائدة واحدة اسمها العيش المشترك.
باختصار: الإسلام الأمازيغي نموذج حضاري للتدين الهادئ؛ لا صراخ فيه ولا إقصاء. يضع الدين في القلب، والمصلحة في العقل، والإنسان في المركز.
ليس مجرد تاريخ، بل درس أخلاقي يمكن للعالم الإسلامي اليوم أن يستفيد منه:
تدين بلا تعصب، وهوية بلا صراع، وسلطة بلا استبداد.وكل هذا قبل دخول إسلام الإخوان والوهابية الدي أفقدنا الشكل والمضمون ….



