أخبار عامة

تندوف.. حين تسقط أقنعة “التحرير” في صحراء الوهم


تعيش مخيمات تندوف اليوم واحدة من أكثر مراحلها هشاشة منذ تأسيسها قبل نحو خمسة عقود. فبعد أن كانت تُقدَّم للعالم كرمز لـ”قضية تحرر”، تحوّلت إلى مسرحٍ لاحتجاجات محاصرة بعسكر وكاميرات النظام الجزائري، تُدار بإيقاع الخوف والرقابة، في وقت يتهيأ فيه مجلس الأمن الدولي لحسم ملف الصحراء المغربية في ضوء مقترح الحكم الذاتي، الذي بات يحظى بتأييد متزايد من القوى الكبرى.

لكن خلف هذه الصور المتوترة، من هم فعلاً أولئك الذين يعيشون في المخيمات؟
الواقع الإنساني يُظهر تركيبة اجتماعية مفككة لأكثر من خمسين ألف شخص، في حين تصرّ الجزائر منذ سنة 2011 على رفض طلب الأمم المتحدة بإحصائهم رسميًا. في المقابل، تصرّح الجزائر للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بأن عددهم يبلغ 173 ألفًا، رقمٌ يتيح لها تضخيم حجم المساعدات الأممية والأوروبية التي تصل قيمتها إلى نحو 214 مليون دولار سنويًا.

غير أن تلك المساعدات لا تصل فعليًا إلى مستحقيها؛ فما يصل المخيمات في الغالب لا يتعدى أكياس الطحين والشاي والسكر، بينما تشير تقارير إنسانية إلى أن 30% من سكان المخيمات يعانون انعدام الأمن الغذائي. وهنا تطرح الأسئلة نفسها: أين تذهب باقي الأموال؟ ومن المستفيد من استمرار هذا الوضع الضبابي؟

في قلب هذه المأساة، يعيش جيل جديد وُلد على الأراضي الجزائرية بلا هوية قانونية، دون جنسية ولا مستقبل. النساء يشكلن نحو 30% من الساكنة، لكنهن يظللن مُهمشات في ظل قيادة ذكورية لا تمنحهن أي دور فعلي سوى في الدعاية الإنسانية لكسب عطف الخارج. أما الشيوخ وكبار السن، فأغلبهم ينحدر من قبائل الركيبات وبني حسان والحرطانيين والموريتانيين، بين من فُقد أو اختُطف بعد المسيرة الخضراء عام 1976.

الشق العسكري داخل البوليساريو لا يتجاوز بضعة آلاف — خليط من مسلحين، ومهربين، وأفارقة جُنّدوا في حروب العصابات. لكن الخطير أن هؤلاء يتحركون ضمن منظومة مغلقة، تُشرف عليها المخابرات الجزائرية بشكل مباشر، حيث تُقيَّد حرية التنقل عبر نقاط تفتيش محصّنة لمنع أي محاولة فرار. ورغم ذلك، تسجَّل نحو 500 محاولة هروب شهريًا نحو موريتانيا أو الأراضي المغربية.

إن النظام الجزائري يدرك تمامًا أن استمرار هذا الوضع يخدمه على مستويين: أولًا، كأداة ضغط جيوسياسية في مواجهة المغرب، وثانيًا، كوسيلة لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية المتفاقمة. غير أن المتغيرات الإقليمية والدولية اليوم تُضيّق هامش المناورة؛ فالعالم بات يرى في “قضية تندوف” ورقةً خاسرة، بعد أن أثبت تقرير أممي حديث (S/2025/612) غياب أي تقدم عسكري أو ميداني للبوليساريو منذ 2020، ما يعكس حالة انهيار داخلي وتنظيمي واضح.

بالمقابل، يواصل المغرب الاستثمار بثقة في أقاليمه الجنوبية، بمشاريع تفوق 10 مليارات دولار، تشمل البنية التحتية، والتعليم، والطاقة المتجددة، في إطار مقاربة تنموية حقيقية تُجسد جوهر مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

اليوم، بينما يرفع سكان تندوف شعارات الاحتجاج، بات واضحًا أنهم يحتجون على واقعٍ صنعته الجزائر بيدها: واقع العزلة، والاستغلال، والاحتجاز القسري. وكلما اقترب الحل السياسي، ازدادت محاولات النظام الجزائري التمسك بورقة المخيمات، رغم إدراكه أنها ورقة محترقة.

لقد آن الأوان — وبلا مجاملة — لأن يُرفع الغطاء عن هذه المأساة الإنسانية، وأن يتحمّل المجتمع الدولي مسؤوليته الأخلاقية بإحصاء سكان المخيمات، وضمان وصول المساعدات إليهم، وتفكيك منظومة الاستغلال التي تُبقيهم رهائن لمعادلات سياسية باردة.

فالقضية لم تعد قضية “نزاع حدودي” بين دولتين، بل قضية إنسانية صرفة، عنوانها: حرية آلاف الأسر من سجن مفتوح اسمه تندوف.


Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button