أخبار عامة

هل تتحرك الدبلوماسية المغربية لضم سبتة ومليلية؟.. حقيقة الادعاءات وتفكيك السياقات

في خضم توترات دولية متصاعدة وتطورات دبلوماسية متسارعة، بزغ فجأة تساؤلٌ حارق في المشهد الإعلامي الإسباني: هل يخطط المغرب للتحرك العسكري أو السياسي لضم مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين؟ وهل لبريطانيا دور في هذا السيناريو المفترض؟

الخبر الذي تداولته بعض المنصات، نقلاً عن تحذيرات أطلقها حزب “فوكس” الإسباني اليميني المتطرف، يزعم أن المغرب يعتزم استغلال الوثائق التاريخية والمعاهدات القديمة للمطالبة بالمدينتين، مستفيداً من حالة التوتر القائمة بين حكومة مدريد والإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب.

لكن مراجعة دقيقة للوقائع والمعطيات المتاحة تكشف أن المشهد أكثر تعقيداً، وأن ما يجري هو اشتعال في الخطاب السياسي والإعلامي أكثر منه تحركاً فعلياً على الأرض.

البداية: تحذير “فوكس” وخلفياته السياسية

الانطلاقة الحقيقية لهذه التكهنات جاءت من مدريد، وتحديداً من حزب “فوكس” الذي وظف القضية كورقة ضغط داخلية ضد الحكومة الائتلافية التي يقودها بيدرو سانشيز. الحزب الذي يتزعمه سانتياغو أباسكال عاد ليطرق على ذات النواقيس التي طالما قرعها: الخطر المغربي على المدينتين.

غير أن التوقيت يحمل دلالة خاصة. فالإعلان عن هذه “التحذيرات” يتزامن مع ذروة أزمة دبلوماسية بين إسبانيا والولايات المتحدة، على خلفية رفض حكومة سانشيز استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في أراضيه لشن هجوم على إيران.

وفي هذا السياق، نشر مايكل روبن، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) والمعروف بمواقفه المتشددة، مقالاً دعا فيه المغرب إلى تنظيم “مسيرة خضراء” سلمية نحو سبتة ومليلية. المقال قوبل بغضب إسباني رسمي وإعلامي، لكن قراءته في سياق الضغوط الأمريكية على إسبانيا تجعله أقرب إلى ورقة ضغط دبلوماسية منه إلى خطة مدروسة.

البعد البريطاني: هل لجبل طارق علاقة بسبتة ومليلية؟

أما عن الادعاء بوجود “مساعدة بريطانية” للمغرب في ضم المدينتين، فيبدو مستنداً إلى مقاربات سياسية وقانونية تبحث عن تشابه بين وضع جبل طارق (المحتلة من بريطانيا) ووضع سبتة ومليلية.

بعض المحللين يرون أن أي حل لقضية جبل طارق في المستقبل، خاصة في سياق التقارب البريطاني-الإسباني بعد بريكست، قد يخلق سابقة تؤثر على النظرة الدولية لسبتة ومليلية. لكن لا توجد أي وثائق أو تصريحات رسمية تشير إلى وجود تحرك بريطاني-مغربي مشترك تجاه المدينتين.

بل على العكس، العلاقات البريطانية-الإسبانية تشهد تطورات إيجابية في ملف جبل طارق نفسه، مما يجعل الحديث عن “تحالف بريطاني لتهديد مصالح إسبانية” أقرب إلى المبالغة.

الموقف المغربي: بين الثبات الدبلوماسي واستمرارية المطالب

في الرباط، الموقف الرسمي لم يتغير: سبتة ومليلية والجزر الجعفرية هي “أراض مغربية محتلة” ويجب استرجاعها. هذا الموقف تُعبّر عنه الدبلوماغية المغربية باستمرار في المحافل الدولية، وتؤكد عليه البيانات الرسمية بين الحين والآخر.

غير أن التحرك المغربي الفعلي تجاه هذه القضية يظل محكوماً بثوابت:

  1. الانخراط في الحوار بدل المواجهة، حيث تشهد العلاقات المغربية-الإسبانية حالياً فترة من التحسن والهدوء بعد الأزمة الدبلوماسية الحادة في 2021-2022.
  2. أولوية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، فالرباط تدرك أن أي مغامرة غير محسوبة تجاه المدينتين قد تعصف بالشراكات الكبرى التي بنتها مع مدريد، خاصة في مجالات مكافحة الهجرة غير النظامية والتعاون الاقتصادي.
  3. الانشغال بملفات أخرى، فأولويات المغرب اليوم تنصرف نحو تعزيز موقعه في الصحراء والحصول على اعترافات دولية أوسع بمغربية الصحراء.

الخلاصة: فزاعة انتخابية أم سيناريو حقيقي؟

كل المعطيات تشير إلى أن ما يجري هو استخدام سياسي داخلي لقضية حساسة، أكثر منه مؤشراً على تحرك وشيك.

حزب “فوكس” اليميني يوظف الملف لتأليب الرأي العام ضد حكومة سانشيز، متّهماً إياها بالضعف أمام المغرب. في المقابل، تستغل وسائل إعلام أمريكية معروفة بعدائها لسانشيز التوتر القائم بين مدريد وواشنطن لتصعيد الحملة ضد الحكومة الإسبانية.

يبقى المغرب متمسكاً بموقفه التاريخي، لكنه حريص على إدارة الخلاف ضمن أطر دبلوماسية بعيداً عن التصعيد العسكري أو التحركات الأحادية.

قضية سبتة ومليلية ستظل مفتوحة في سجلات الخلافات الإسبانية-المغربية، لكن تحويلها إلى “خبر عاجل” عن ضم وشيك يبدو، في ضوء المعطيات الحالية، مبالغاً فيه ويخدم أجندات سياسية آنية أكثر من كونه يعكس واقعاً دبلوماسياً على الأرض.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button