أكادير تحتضن ثاني مراكز “أوراكل” للبحث والتطوير… تعزيز للسيادة الرقمية ورهان على الكفاءات المحلية

من الرباط إلى أكادير، استراتيجية توسيع رقمية تلامس أفق القارة
أعلنت شركة Oracle الأمريكية العملاقة، الرائدة في مجال حلول البنية التحتية السحابية والبرمجيات، عن افتتاح مكتبها الجهوي للبحث والتطوير بمدينة أكادير، ليكون بذلك ثاني مركز من نوعه في المملكة المغربية بعد مركز الدار البيضاء الذي دُشّن سابقاً. هذه الخطوة، التي تأتي في سياق تنامي الطلب على الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تضع مدينة الإنبعاث تحت المجهر التكنولوجي العالمي، وتُترجم ثقة الشركة في المؤهلات البشرية والاستثمارية التي تزخر بها المملكة.
تخصصات رقمية تعيد تعريف الابتكار
بحسب المعطيات الرسمية، لن يكون هذا المكتب مجرد امتداد إداري، بل سيعمل كـ “محرك ابتكار” حقيقي يركز على أربعة مجالات استراتيجية محورية:
· البنية التحتية للسحابة (Oracle Cloud Infrastructure – OCI)، حيث سيُسهم في تطوير أنظمة حوسبة سحابية مرنة وعالية الأداء.
· التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهو توجه عالمي يهدف إلى أتمتة العمليات وتحليل البيانات بذكاء فائق.
· منصات البيانات، التي تشكل العمود الفقري لأي تحول رقمي ناجح في العصر الحالي.
· الحلول الموجهة لمختلف القطاعات، سواء كانت صناعية، فلاحية، سياحية، أو مالية، بما يضمن تكامل التقنية مع النسيج الاقتصادي المحلي.
لماذا أكادير؟ .. قراءة في الخيار الاستراتيجي
لا يبدو اختيار أكادير اعتباطياً، بل يحمل دلالات عميقة. فالمدينة، التي كانت لعقود وجهة سياحية بامتياز، تتحول اليوم إلى قطب تكنولوجي واعد، بفضل توفرها على جامعات وكليات مهنية تخرّج مئات المهندسين والمطورين سنوياً، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط شمال إفريقيا بجنوبها.
هذا التوجه يتوافق مع الرؤية الملكية السامية الرامية إلى توسيع العدالة المجالية في جذب الاستثمارات، وعدم حصر مراكز التميز الرقمي في المدن الكبرى فقط. فبينما يركز مركز الدار البيضاء على التكامل مع المنظومة المالية والصناعية الكبرى، يأتي مركز أكادير ليلبي احتياجات جهة سوس-ماسة، ويُعزز حضور المغرب كمنصة إقليمية لخدمات البيانات الموجهة نحو السوق الإفريقية والأوروبية.
انعكاسات اقتصادية واعدة
يمثل افتتاح المركز أكثر من مجرد خبر اقتصادي عابر؛ فهو:
· ناقل حقيقي للخبرة والتكنولوجيا، حيث سيعمل فرق مغربية على تطوير تقنيات من الجيل القادم، مما يُعزز نقل المهارات ويُقلص الهوة الرقمية.
· منصة لتشغيل الكفاءات المحلية، واستقطاب العقول المغربية الشابة بدلاً من هجرتها نحو الخارج، خصوصاً في تخصصات علوم الحاسوب والبيانات.
· داعم للتحول الرقمي في القطاعات الحيوية بالجهة، كالصيد البحري، والفلاحة، والطاقات المتجددة، من خلال توفير حلول ذكية مبنية على تحليل البيانات الضخمة.
المغرب في سباق السيادة الرقمية
في عصر أصبحت فيه البيانات هي النفط الجديد، يُرسخ هذا الوجود المزدوج (الدار البيضاء – أكادير) مكانة المغرب كوجهة مفضلة لشركات التكنولوجيا العالمية. إن استقطاب عملاق مثل “Oracle” لفتح مراكز بحث وتطوير بدلاً من مكاتب مبيعات فقط، يعني أن المملكة لم تعد سوقاً مستهلكة للتكنولوجيا، بل بدأت تتحول إلى مختبر حي لتطويرها وصناعتها.
ومع هذا السباق المحموم نحو الرقمنة، يبقى الرهان الأكبر على القدرة على استدامة هذا الزخم، وتأهيل الموارد البشرية لمواكبته، لضمان أن تكون هذه المراكز نافذةً مشرقةً على مستقبل رقمي واعد، يضع المغرب في مصاف الدول المصدرة للخدمات التكنولوجية المتطورة.




