أخبار عامة

تقبيل الرجلين في موسم ابن عجيبة: تصرف فردي يُشوه صورة التصوف المغربي الأصيل

شهد الموسم السنوي للولي الصالح سيدي أحمد بن عجيبة بقرية الزميج بإقليم الفحص أنجرة، في دورته الأخيرة، مشهداً أثار استغراب المتابعين وخلف حالة من الجدل بين المهتمين بالشأن الصوفي، تمثل في قيام أحد الأشخاص بتقبيل رجلي أحد أحفاد الشيخ، في تصرف وُصف بأنه يُنقص من كرامة الإنسان ولا يمت إلى التصوف المغربي الأصيل بصلة .

مكانة ابن عجيبة الراسخة

يُعد سيدي أحمد بن عجيبة (المتوفى سنة 1224هـ) واحداً من أبرز أعلام التصوف في المغرب، وإماماً من أئمة الطريقة الدرقاوية الشاذلية التي تجمع بين العلم والسلوك الروحي، وقد خلّف إرثاً علمياً كبيراً في التفسير والحديث والفقه، جعل من ضريحه بقرية الزميج قبلة للمريدين ومحطّ أنظار الباحثين والمهتمين بالتراث الصوفي .

تحظى هذه التظاهرة السنوية باعتراف رسمي، حيث وثقت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تقديم هبة ملكية للقائمين على الضريح سنة 2012، كما تُقام الفعاليات تحت إشراف شيخ الطريقة سيدي محمد المهدي بن عجيبة . ولا يقتصر الموسم على الجانب الروحي من خلال حلقات الذكر وقراءة القرآن، بل يشمل ندوات ومحاضرات تسلط الضوء على سيرة الشيخ وإرثه العلمي، إلى جانب وصلات المديح والسماع، في مشهد يجمع بين العبادة والتواصل الإنساني .

مناقب التصوف التي جسدها ابن عجيبة

أكد ابن عجيبة في مؤلفاته على الجوهر الحقيقي للتصوف، والذي عرّفه بأنه يقوم على “تصفية البواطن من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل” . هذا التعريف يضع التصوف المغربي ضمن إطار أخلاقي رفيع يقوم على تزكية النفس وتهذيبها، بعيداً عن المظاهر المبتدعة أو الأفعال التي تنال من كرامة الإنسان أو تقديس المخلوقات.

وقد وصفته الرابطة المحمدية للعلماء بأنه كان عالماً جليلاً، وأن ضريحه “مقصوداً إلى اليوم” . وهذا يؤكد أن الاحتفال به وبأمثاله من الصالحين يُمارس في سياق تعظيم العلماء والصلحاء، وبما يتوافق مع قيم التصوف السُّني المغربي الذي لا يعرف الغلو في تعظيم الأشخاص أو الممارسات التي تمسّ الجوهر التوحيدي للعقيدة.

وقفة نقدية مع الممارسة الدخيلة

إن مشهد تقبيل الرجلين الذي تم تداوله على نطاق واسع، يُعتبر تصرفاً فردياً شاذّاً ومنافياً لآداب التصوف المغربي التي تقوم على الوسطية والاعتدال . فلا يمكن إطلاقاً أن يمثل هذا التصرف روح هذا الموسم، أو أن يُنسب إلى تعاليم الشيخ ابن عجيبة أو طريقة أتباعه، الذين يحرصون حسب ما تُفيد به المصادر المنظمة للموسم على “الالتزام بالمنهاج التربوي للطريقة والآداب الشرعية وقيم التزكية” .

إن مثل هذه التصرفات تسيء إلى صورة التصوف المغربي المتجذّر، الذي كان ولا يزال مدرسة للاعتدال والتسامح، وتُسيء أيضاً إلى ذكرى الشيخ العالم الذي كرّس حياته للعلم والتربية الروحية. إنها تُشوه الجهود الرامية إلى الحفاظ على الطابع الروحي الحقيقي لهذه المواسم التي تعكس هوية المغرب الدينية والثقافية .

خاتمة

لا يمكن لسلوك فردي أن يُطمس الصورة الناصعة لتراث التصوف المغربي الأصيل، ولا أن يُحجب مكانة العلامة سيدي أحمد بن عجيبة كأحد أعمدة هذا التراث. تبقى هذه المواسم مناسبات للتذكير بالقيم الروحية السامية وبالجهود العلمية للصالحين. إن ما يحدث من أفعال دخيلة يبقى محكوماً بأنه مجرد تصرفات خاطئة تُنبذ وتُرفض، وتستدعي تنبيه القائمين على هذه التظاهرات إلى ضرورة الحفاظ على طابعها الروحي النقي، وتربية الأتباع على آداب التصوف الصحيحة التي ترفض كل ما يمسّ بالكرامة الإنسانية أو جوهر العقيدة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button