بين صخب الانتخابات وحراك نيويورك.. بوريطة يقود دبلوماسية متعددة الجبهات للدفاع عن مصالح المغرب

تزامن الحراك الانتخابي الذي عاشه المغرب حول استحقاقات 23 شتنبر 2026، وما رافقه من نقاشات وتساؤلات سياسية وقانونية في الداخل، مع حراك دبلوماسي كثيف قاده وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، في نيويورك خلال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وإذا كان الداخل منشغلا بإعادة تشكيل الخريطة السياسية، فإن ما جرى في نيويورك كشف عن مستوى آخر من حركة الدولة: إدارة المصالح الاستراتيجية للمملكة في فضاء دولي شديد الاضطراب، من قضية الصحراء إلى فلسطين، ومن الساحل والأطلسي إلى أمن المضايق والمناخ والجماعات المسلحة، وصولا إلى إعلان ترشح المغرب لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن للفترة 2028-2029.
لم تكن المسألة مجرد لقاءات بروتوكولية أو صور ثنائية عابرة، وإنما بدا واضحا وجود محاولة لتركيب شبكة من الملفات والمواقف والشراكات ضمن تصور دبلوماسي واحد: تثبيت المصالح المغربية، توسيع دوائر الشراكة، وتحويل الموقع الجغرافي والسياسي للمملكة إلى رأسمال تفاوضي داخل النظام الدولي.
في مقدمة هذه الملفات جاءت قضية الصحراء المغربية، فقد عرض بوريطة أمام الجمعية العامة الموقف المغربي القائم على اعتبار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للحل السياسي، في سياق الاستناد إلى قرار مجلس الأمن 2797. وبالتوازي مع الخطاب الأممي، شهد أسبوع نيويورك صدور مواقف جديدة أو متطورة من عدد من الدول. فقد أعلن الشيلي دعمه لسيادة المغرب على كامل ترابه بما في ذلك منطقة الصحراء، واعتبر مبادرة الحكم الذاتي حلاً سياسياً، مع إعلانه التوجه نحو تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري في المنطقة. كما دعمت بنما السيادة المغربية على كامل التراب الوطني، فيما أعلنت البيرو دعمها لسيادة المغرب على الصحراء واستعدادها لفتح قنصلية في الداخلة. وسجل الموقف الجامايكي تطورا باعتباره أن حكما ذاتيا حقيقياً تحت السيادة المغربية يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، فيما أكدت أرمينيا دعمها للمبادرة المغربية باعتبارها حلاً سياسياً واقعياً.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الحراك المغربي: الدبلوماسية لم تعد تكتفي بجمع البيانات المؤيدة، بل تتحرك تدريجيا في اتجاه تحويل الموقف السياسي إلى مصالح ملموسة؛ قنصليات، استثمارات، تجارة، اتفاقيات وشراكات. إعلان البيرو الاستعداد لفتح قنصلية في الداخلة، وقرار الشيلي ربط موقفه بفرص التعاون الاقتصادي، نموذجان على هذا الانتقال من التأييد السياسي إلى بناء مصالح مرتبطة بالمجال نفسه.
وجاء اللقاء مع نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو ليضيف ثقلا إلى هذا المسار، إذ أكد المسؤول الأمريكي في نيويورك التزام واشنطن بتطوير منطقة الصحراء تحت السيادة المغربية، وتحدث عن رغبة الولايات المتحدة في العمل مع المغرب والأطراف المعنية لإنهاء النزاع، معتبراً أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولا. وقبله التقى بوريطة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، في مباحثات تناولت الشراكة المغربية الأمريكية والأولويات الإقليمية المشتركة.
غير أن الدبلوماسية المغربية لم تحصر تحركها في واشنطن. فقد التقى بوريطة مسؤولين من الاتحاد الأوروبي، بينهم الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، كما عقد مباحثات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى جانب سلسلة واسعة من وزراء خارجية إفريقيا وأوروبا والخليج وأمريكا اللاتينية. وهذه هندسة مهمة في السياسة الخارجية: تعميق الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة دون إغلاق قنوات الحوار مع بقية القوى الدولية، خصوصا أن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي هو الشريك الاقتصادي المركزي للمملكة.
وفي قلب المؤسسة الأممية نفسها، عقد بوريطة في 16 شتنبر لقاءً مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تناول قضايا السلام والأمن في إفريقيا والشرق الأوسط والتعاون بين المغرب والأمم المتحدة. كما التقى في 24 شتنبر رئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة خليل الرحمن، حيث تناولت المباحثات التعاون متعدد الأطراف، وبناء السلام، وعمليات حفظ السلام وإصلاح الأمم المتحدة.
هذه اللقاءات لها أهميتها، لأن توسيع الاعترافات الثنائية لا يلغي مركزية الأمم المتحدة في الملفات الدولية، وخاصة قضية الصحراء. ولذلك تتحرك الرباط، على ما يبدو، على مسارين متوازيين: توسيع شبكة المواقف الدولية الداعمة لمقترحها، والحفاظ في الوقت نفسه على حضور قوي داخل الشرعية الأممية ومسار مجلس الأمن.
ومن الملفات اللافتة أيضا قضية الجماعات المسلحة غير التابعة للدول. فقد دعا بوريطة في نيويورك إلى تعزيز الرد الدولي عليها، وطرح مسؤولية الدول التي تمول أو تسلح أو توفر الحماية لمثل هذه التنظيمات. وفي السياق نفسه، قاد المغرب إطلاق مسار توقيع الاتفاقية الإفريقية لنزع سلاح الأطفال الجنود وتسريحهم وإعادة إدماجهم، بمشاركة نحو عشرين دولة إفريقية.
والأهمية الاستراتيجية هنا تتجاوز الموضوع الإنساني. فحين تنتقل دولة من المشاركة في الاتفاقيات الدولية إلى المبادرة باقتراح أطر قانونية وتجميع الدول حولها، فإنها تتحرك من موقع المتلقي للقواعد الدولية إلى موقع المساهم في إنتاج المعايير الدولية والإقليمية.
وفي ملف أمن البحار والمضايق، قدم بوريطة طرحا له دلالة جيوسياسية واضحة حين أكد، خلال اجتماع لمجلس الأمن بصيغة آريا، أن إدارة المضايق «مسؤولية وليست ملكية»، ودعا إلى التفكير في مدونة سلوك للدول المطلة عليها. والمغرب، بحكم موقعه على مضيق جبل طارق وواجهتيه المتوسطية والأطلسية، يحاول هنا تقديم موقعه الجغرافي باعتباره عنصراً في الأمن البحري العالمي وليس مجرد معطى جغرافي.
وهو أمر تزداد أهميته مع اضطراب الممرات البحرية الدولية وارتباطها بالطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة والأمن. فالدولة التي تقع عند أحد أهم المعابر البحرية في العالم تمتلك قيمة استراتيجية تتجاوز حدودها البرية.
أما فلسطين وغزة والقدس، فقد جدد بوريطة أمام الجمعية العامة موقف المغرب الداعم لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش إلى جانب إسرائيل في سلام وأمن، وطالب باحترام وقف إطلاق النار في غزة وإدخال المساعدات الإنسانية، كما عبر عن القلق من الإجراءات الأحادية والانتهاكات المتعلقة بالمسجد الأقصى. وربط الموقف بدور الملك محمد السادس بصفته رئيس لجنة القدس وبالعمل الميداني الذي تقوم به وكالة بيت مال القدس الشريف.
وفي إفريقيا، ظهر بوضوح أن الرباط تريد نقل المبادرة الأطلسية من مرحلة التصور السياسي إلى مرحلة البناء المؤسساتي. فقد ترأس بوريطة الاجتماع الوزاري الثامن لمسار الدول الإفريقية الأطلسية، الذي دعا إلى تسريع تنفيذ المشاريع والتنسيق بين الدول، بالتوازي مع مشاركته في لقاء رفيع المستوى حول الأمن والتنمية في الساحل. وقدم المغرب الرؤية الملكية للساحل باعتباره فضاء للإمكانات والربط والتنمية، وليس مجرد بؤرة للإرهاب وعدم الاستقرار.
وهذا هو العمق الحقيقي للمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي: ربط الأمن بالتنمية، وربط دول حبيسة جغرافيا بشبكات النقل والموانئ والطاقة والتجارة، مع وضع المغرب في قلب فضاء استراتيجي يمتد من المتوسط إلى الأطلسي ومن أوروبا إلى الساحل وغرب إفريقيا.
كما حضر المناخ بقوة. فقد اعتبر بوريطة أن تغير المناخ لم يعد تهديدا مستقبليا، بل أصبح يمس بالفعل الأمن المائي والغذائي والاقتصادات، مستعرضا مشاريع تحلية المياه والربط بين الأحواض وإعادة استعمال المياه ومشاريع الانتقال الطاقي، ومعلناً هدفاً لخفض الانبعاثات قد يصل إلى 53 في المائة في أفق 2035.
وفي ملف بناء السلام، تحرك المغرب مستفيدا من رئاسته للجنة بناء السلام بالأمم المتحدة لسنة 2026، ودافع عن تعزيز القيادة الإفريقية والملكية الوطنية لمسارات الوقاية وبناء السلام. كما دعا بوريطة إلى إحداث آلية مؤسساتية مستدامة لرعاية ضحايا الإرهاب.
ثم جاءت العلاقة مع إسبانيا وملف سبتة والهجرة والقاصرين لتشكل اختبارا آخر للخطاب الدبلوماسي المغربي. ففي لقائه بوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، أكد بوريطة استعداد المغرب لإعادة المهاجرين والقاصرين المعنيين، لكنه قال إن استمرار وجود بعضهم في إسبانيا يعود، من وجهة النظر المغربية، إلى عراقيل وصعوبات إجرائية في الجانب الإسباني. مدريد، من جهتها، شددت على أهمية استمرار التعاون مع المغرب في إدارة الهجرة والحدود، ما يكشف عن اختلاف في تفسير المسؤولية عن التأخر مع استمرار الشراكة الأمنية بين البلدين.
والرسالة التي يمكن استخلاصها هنا هي أن الرباط تريد الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع إسبانيا، لكنها في الوقت نفسه تحاول منع ترسيخ تصور يجعل المغرب مجرد «حارس للحدود الأوروبية» أو الطرف الذي يتحمل منفردا كلفة تدبير الهجرة.
ويبقى الإعلان الأبرز من الناحية المؤسساتية هو ترشح المغرب لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن للفترة 2028-2029. فقد أعلن بوريطة رسميا الترشيح أمام الجمعية العامة، مقدماً إياه في إطار مساهمة المملكة في السلم والأمن الدوليين والتعددية واحترام القانون الدولي وسيادة الدول ووحدة أراضيها.
وهذا الترشيح ليس مجرد بحث عن مقعد دبلوماسي. فالعضوية في مجلس الأمن، إذا حصل المغرب على الأصوات المطلوبة داخل الجمعية العامة، ستمنحه لمدة عامين حضوراً مباشراً في مناقشة وصياغة المواقف المتعلقة بأهم الأزمات الدولية. لكنها في الوقت نفسه ستشكل اختباراً حقيقياً لشبكة العلاقات التي بنتها المملكة في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا، لأن مقاعد المجلس تُحسم بالتصويت لا بالتصريحات.
وعند جمع هذه التحركات، تتضح صورة أكبر.
الصحراء تُربط بالاعترافات والاستثمار.
والساحل يُربط بالأطلسي والتنمية.
والمضايق تُربط بأمن الملاحة الدولية.
وفلسطين تُربط بالموقف السياسي والعمل الميداني في القدس.
والإرهاب يُربط بحماية الضحايا وتجفيف مصادر الجماعات المسلحة.
والمناخ يُربط بالأمن المائي والغذائي.
أما العلاقات الدولية فتدار من واشنطن إلى موسكو ومن بروكسيل إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
هذه هي الدلالة الاستراتيجية الأهم لحراك نيويورك: محاولة تحويل المغرب من دولة تدافع عن ملفاتها داخل المؤسسات الدولية إلى دولة تسعى أيضا إلى إنتاج المبادرات وصناعة الشراكات والمساهمة في صياغة الأجندة الدولية.
وفي الوقت الذي كان فيه الداخل المغربي منشغلا بمخرجات الانتخابات وأسئلة الأغلبية والحكومة المقبلة، كانت الدولة تتحرك في الخارج ضمن زمن آخر؛ زمن المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
وهنا تصبح قوة المغرب مرتبطة بمعادلة مزدوجة: مؤسسات داخلية يجب أن تكون قوية وذات مصداقية، ودبلوماسية خارجية قادرة على حماية المصالح الوطنية وتوسيع دوائر الشراكة والتأثير.
فالدفاع عن مصالح الدولة لا يبدأ عند الحدود ولا ينتهي عندها؛ بل يبدأ من صلابة الداخل، ويمتد إلى كل فضاء يوجد فيه قرار يمكن أن يمس مستقبل المغرب.
✍️ ▪︎ نجيب الأضادي باحث ومدون وكاتب رأي



