الإلحاد يدق أبواب شبابنا: مسؤولية مشتركة لحماية الهوية الإيمانية

في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والفكرية، وتتفتح فيه وسائل التواصل الاجتماعي على مصراعيها دون رقيب ولا حسيب، يجد شبابنا المغربي نفسه أمام تيارات فكرية عاتية تستهدف أعز ما يملكون: إيمانهم وهويتهم. لم يعد الإلحاد فكرة هامشية تُطرح في أروقة الفلسفة المغلقة، بل أصبح ظاهرة تطل برأسها عبر شاشات الهواتف المحمولة، يدعو إليها مؤثرون شباب نهاراً جهاراً، داسّين سمومهم في عقول اليافعين ممن لم تتشكل بعد لديهم المناعة الفكرية الكافية لمواجهة مثل هذه الشبهات.
تشير التقارير الحديثة إلى أن أكثر من 35% من المغاربة يعرّفون أنفسهم بأنهم “غير متدينين”، مع الإشارة إلى أن نسبة الملحدين المعلنة تظل شبه معدومة بسبب التبعات الاجتماعية والثقافية لمثل هذا الإعلان. هذه الأرقام، التي قد تبدو مقلقة في ظاهرها، تكشف عن فجوة متنامية بين الممارسات الثقافية العامة والاعتقاد الشخصي، خاصة لدى الشباب في المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط ومراكش، حيث تسهم العوامل التعليمية والانفتاح الإعلامي في إعادة تشكيل الهويات الفردية.
جذور الظاهرة وأسبابها
لا يمكن فهم ظاهرة الإلحاد في أوساط الشباب بمعزل عن السياقات الأوسع التي تغذيها. فمن ناحية، هناك التحديات التي يفرضها الخطاب العلمي المعاصر، حيث يتعامل بعض الشباب مع العلم التجريبي بوصفه الأداة الوحيدة لإدراك الحقائق، متجاهلين أن العلم نفسه كثيراً ما عدّل نظرياته وبدّل مساراته. ومن ناحية أخرى، تلعب نظرية التطور ومحاولات تفسير الكون من منظور مادي بحت دوراً في زعزعة الإيمان لدى بعض الدارسين، إذ أظهرت دراسات أن نسبة من تخلوا عن الإسلام أرجعوا ذلك إلى تأثرهم بالعلوم الطبيعية والتفكير المادي في الخلق والكون.
كما أن الضعف المعرفي والعقيدي المتراكم لدى كثير من شبابنا يجعلهم فريسة سهلة للشبهات التي تُطرح عليهم دون أن يجدوا من يقدم لهم ردوداً مقنعة ومتزنة. وهنا تبرز مسؤولية مؤسسات التربية والتعليم في تحصين النشء بالمعرفة الشرعية الصحيحة، وفي مقدمتها الأسرة التي تعد الحصن الأول والأخير في مواجهة هذه التيارات.
المؤثرون وشبكات التواصل: منصة للشك
لم يكن الإلحاد يوماً بحاجة إلى منابر أكثر مما هو عليه اليوم. فقد وفرت منصات التواصل الاجتماعي مساحات غير مسبوقة لنشر الأفكار، وأصبح بعض المؤثرين الشباب يروجون لأفكارهم الإلحادية بشكل مباشر وجذاب، مستخدمين لغة العصر وأدواته. هؤلاء المؤثرون، الذين قد يجدون دعماً من جهات خارجية تسعى لإضعاف الهوية الإسلامية للمجتمعات، يستغلون قلة فهم الشباب للدين الحنيف فيزرعون بذور الشك في عقولهم.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تستهدف الفئة العمرية الأكثر حيوية وتأثيراً في المجتمع، تلك الفئة التي لا تزال في مرحلة تشكيل القيم والتصورات. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً عندما يقترن هذا الغزو الفكري بغياب الحوار الأسري الهادئ، وعدم توفر القدوة الحسنة التي تجسد الإسلام في صورته السمحة والوسطية.
التصوف السني: درع المغاربة الروحي
في مواجهة هذه العاصفة، يبرز المكون الصوفي في الهوية المغربية كأحد أهم أدوات التحصين. فقد كان للتصوف المغربي، بثوابته من عقيدة أشعرية وفقه مالكي وتصوف سني، دور عظيم في استتباب الأمن الروحي لدى المغاربة وترسيخ الوحدة بينهم. وتمثل الزوايا والطرق الصوفية مؤسسات تربوية وروحية عريقة، لعبت عبر التاريخ دوراً محورياً في إظهار وسطية الإسلام واعتداله، وفي تحصين الناس ضد الأفكار المنحرفة والدخيلة على ثقافتهم الدينية السليمة.
إن العودة إلى التصوف السني الأصيل الذي تربى عليه آباؤنا وأجدادنا ليست مجرد خيار عاطفي أو حنين إلى الماضي، بل هي ضرورة استراتيجية للحفاظ على تماسك المجتمع والخصوصية المغربية. فالزوايا الصوفية، بما تحمله من إرث تربوي غني، قادرة على تقديم الإسلام بلغة القلوب قبل العقول، وبمنهج يقوم على التدرج والتربية الروحية التي تلامس وجدان الشباب.
دعوة للتحرك العاجل
إن الخطر الذي يتهدد شبابنا لم يعد قضية ثانوية يمكن تأجيلها أو التعامل معها ببرود. إنه خطر وجودي يمس جوهر هويتنا ومستقبل أجيالنا. ولذلك، فإننا ندعو السلطات المختصة للتدخل العاجل لوضع حد لهذه الممارسات التي تستغل قلة فهم شبابنا للدين الحنيف، مع ضرورة الموازنة بين حماية المجتمع من الترويج للإلحاد وضمان الحريات المشروعة.
كما ندعو كافة الآباء والأمهات إلى تفقد أحوال أبنائهم ومراقبتهم، ليس بالمعنى الرقابي الضيق، بل بالمعنى التربوي الشامل الذي يصاحب الأبناء إلى المساجد والزوايا الصوفية، ليتعرفوا عن قرب على الدين الإسلامي الحقيقي، بعيداً عن التشويه الذي لحق به إما بفعل الجماعات المتطرفة أو بفعل الدعاية المضادة التي تستغل هذه الممارات لتشويه صورة الإسلام كله.
إن الحفاظ على إيمان شبابنا مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمسجد والزوايا ومؤسسات الإعلام والمجتمع المدني. ولا يمكن لهذه المؤسسات أن تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل يجب أن تتكامل جهودها لبناء منظومة تحصين متكاملة تبدأ من الطفولة المبكرة وترافق الشباب في كل مراحل نموهم الفكري والروحي.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نحن مستعدون لمواجهة هذه التحديات بجدية ومسؤولية، أم أننا سنترك شبابنا فريسة لمن يريد بهم شراً في دينهم ودنياهم؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ملامح مجتمعنا في العقود القادمة.



