أخبار عامة

ارتدادات زلزال مجلس الأمن: مقديشو تغامر بمصالحها.. والرباط تُمسك بخيوط اللعبة

في مشهد دبلوماسي غير مسبوق داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، اختارت الصومال، العضو غير الدائم في المجلس للفترة 2025-2026، أن تخرج عن الإجماع العربي والإفريقي الداعم للمغرب، لتضع نفسها في مواجهة مباشرة مع مصالحها الاستراتيجية . فبينما كانت الأنظار تتجه إلى التصويت على مشروع القرار الأمريكي الخاص بقضية الصحراء المغربية، فاجأت مقديشو المراقبين بالامتناع عن التصويت، قبل أن تصوّت لصالح المشروع الروسي البديل، لتقف وحيدة تقريباً إلى جانب موسكو وبكين في موقف وصفته التقارير بأنه “خروج عن السياق” .

هذا الموقف الصومالي، الذي يبدو للوهلة الأولى أنه انتصار تكتيكي لمحور موسكو، يفتح في العمق الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات في القرن الإفريقي. فالرباط، التي طالما تمسكت بمبدأ وحدة الأراضي كركيزة أساسية في سياستها الخارجية، تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة تفرضها “لغة المصالح”. فمن يطعن في المغرب داخل نيويورك، يفتح بالضرورة ملف “أرض الصومال” (صوماليلاند) على طاولة البحث الاستراتيجي، ليس كاعتراف مبدئي، بل كورقة ضغط حقيقية في مواجهة خصوم الوحدة الترابية للمملكة.

القوة الدبلوماسية المغربية: من الدفاع إلى الهجوم

لم يعد المشهد الدبلوماسي المغربي كما كان في العقود الماضية. فالمملكة، التي نجحت في تحويل ملف الصحراء من قضية تصفية استعمار إلى قضية سيادة ووحدة ترابية مدعومة دولياً، تمتلك اليوم شبكة علاقات دولية قوية، خاصة مع القوى الكبرى الفاعلة في مجلس الأمن. فالولايات المتحدة، التي صاغت مشروع القرار الذي امتنعت عنه الصومال، تعتبر شريكاً استراتيجياً تاريخياً للمغرب، وقد أثبتت واشنطن في مناسبات عدة دعمها لمقترح الحكم الذاتي كأساس وحيد لحل النزاع .

هذه العلاقات القوية مع العواصم الكبرى لم تكن لتتحقق لولا الدبلوماسية المغربية الذكية التي استثمرت في المصالح المشتركة، بعيداً عن الشعارات. فالمغرب اليوم ليس طرفاً يبحث عن دعم، بل هو فاعل رئيسي في المعادلات الإقليمية، من مكافحة الإرهاب في الساحل إلى الأمن الطاقي والغذائي. وبالتالي، فإن أي محاولة للمس بموقفه داخل الأمم المتحدة، كما فعلت مقديشو، لن تمر دون ردّ محسوب، ليس انتقاماً، بل وفق قواعد اللعبة الجديدة التي تعتمد على “المعاملة بالمثل”.

لماذا “أرض الصومال”؟ الروابط الجيوسياسية مع الإمارات وإثيوبيا

الحديث عن اعتراف مغربي محتمل بـ “أرض الصومال” ليس من نسج الخيال، بل هو نتيجة منطقية لتحولات كبرى في منطقة القرن الإفريقي وباب المندب. فالإمارات العربية المتحدة، الحليف الخليجي القوي للمغرب، تعد المستثمر الأكبر في ميناء بربرة، المتنفس البحري الحيوي لجمهورية صوماليلاند غير المعترف بها دولياً. كما أن إثيوبيا، التي تسعى للحصول على منفذ بحري، وقعت مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع أرض الصومال في مطلع العام الجاري، مما خلق واقعاً جديداً على الأرض تتعامل معه القوى الكبرى بحذر.

المغرب، بحكم تحالفاته الصلبة مع أبوظبي، وعلاقاته المتطورة مع أديس أبابا، يجد نفسه مدفوعاً استراتيجياً للاصطفاف إلى جانب هذا المحور. فإذا كانت مقديشو قد اختارت الانحياز لمحور لا يخدم مصالح المغرب في قضيته الوطنية الأولى، فإن الرد المنطقي والموجع في آن واحد هو الانفتاح على “أرض الصومال”. هذا التحرك، حتى لو بقي في إطار الدعم الدبلوماسي أو التمثيل غير الرسمي، سيكون بمثابة صفعة قوية للنظام الصومالي الذي راهن على أصوات لا تشبهه.

قواعد اللعبة تغيرت: الدبلوماسية الناعمة انتهت

ما حدث في مجلس الأمن ليس مجرد تصويت عابر، بل هو إعلان عن نهاية مرحلة “الدبلوماسية الناعمة” التي تعتمد على البيانات والتحالفات التقليدية. الصومال، بوصولها إلى مقعد غير دائم في المجلس، أرادت أن تثبت وجودها كلاعب مستقل، لكنها وقعت في فخ الحسابات الضيقة. فبدلاً من أن تستفيد من دعم المغرب التاريخي لوحدة أراضيها وجهوده في محاربة الإرهاب وتدريب قواتها، اختارت أن تتنكر لهذه الجهود في لحظة حاسمة.

الرباط، من جانبها، لن تكتفي ببيان استنكار. فالتوقعات تشير إلى أن الأيام القادمة قد تحمل تحركات دبلوماسية مغربية غير مسبوقة في منطقة القرن الإفريقي. وقد نرى قريباً تحركات برلمانية أو اقتصادية تفتح قنوات اتصال مع إقليم أرض الصومال، الذي يتمتع باستقرار نسبي وأهمية جيوسياسية كبرى. هذا التحرك لن يكون بالضرورة “اعترافاً كاملاً”، ولكنه سيكون كافياً لإيصال رسالة واضحة: من يمس بوحدة المغرب، سيدفع ثمن تفتيت وحدته.

الرباط تمسك بزمام المبادرة

في النهاية، تبقى السياسة الخارجية المغربية محكومة بالبراغماتية والمصالح العليا للدولة. فالمملكة التي راكمت علاقات قوية مع الولايات المتحدة، وفرنسا، ودول الخليج، وإفريقيا، قادرة على استيعاب “الزلزال” الصومالي وتحويله إلى فرصة لإعادة ترتيب أوراقها في البحر الأحمر. مقديشو ربما اعتقدت أنها وجهت ضربة للمغرب في نيويورك، لكنها في الحقيقة فتحت الباب أمام الرباط لتلعب ورقة “أرض الصومال”، ليس انتقاماً، بل تطبيقاً لقاعدة ذهبية في العلاقات الدولية: “لا توجد صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة”. والمغرب، بقيادة دبلوماسية يقظة، يعرف جيداً كيف يحمي مصالحه في أي بقعة من العالم.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button