أخبار عامة

تحقيق عاجل: “عطر الموت” يغزو أحياء أكادير… ضحية جديدة بحي إحشاش وثمن القارورة يقفز من 13 إلى 70 درهماً

أكادير – خاص

في حادثة مأساوية أعادت إلى الواجهة ظاهرة بالغة الخطورة تهدد حياة الشباب واليافعين، لقي شاب مصرعه أول أمس بحي إحشاش بأكادير، بعد إقدامه رفقة آخرين على شرب عطر ممزوج بكحول حارق تركيزه 90 في المئة، في محاولة للبحث عن نشوة رخيصة، لتتحول المتعة المزعومة إلى كارثة حقيقية تضيف ضحية جديدة إلى قائمة تتسع يوماً بعد يوم.

المعطيات التي توصلت بها جريدة ” بلادي نيوز” من مصادر محلية مطلعة، تشير إلى أن الضحية فارق الحياة بعد تناوله هذا الخليط السام الذي بات يعرف في أوساط بعض الشباب باسم “المسكر الرخيص”. المصادر ذاتها أكدت أن العطر المستعمل، والذي كان يباع في السابق بثمن لا يتجاوز 13 درهماً للقارورة الواحدة عند بائعي العطور، قفز سعره مؤخراً إلى 70 درهماً، وهو ارتفاع مفاجئ يثير أكثر من علامة استفهام حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع، وما إذا كان هناك من يستغل الإقبال المتزايد على هذه المادة السامة لتحقيق أرباح على حساب أرواح البشر.

من “الدوليا” إلى “العطر القاتل”: تطور مروع في أشكال الإدمان

لسنوات طويلة، ظل الحديث عن أطفال الشارع ومشكلاتهم المرتبطة بمادة “الدوليا” (زيت الصباغة) أو “الماحيا” المغشوشة، يسيطر على خطاب المهتمين بالشأن الاجتماعي والصحي في المغرب . كانت تلك المواد تُستعمل كمسكرات رخيصة، رغم ما تسببه من أمراض خطيرة وتلف للجهاز التنفسي والدماغي. غير أن ما نشهده اليوم هو تحول نوعي نحو أسوأ، حيث أصبحنا أمام ظاهرة جديدة تتمثل في استهلاك العطور المحتوية على كحول عالي التركيز من طرف فئات عمرية أصغر، وبوعي متزايد بخطورة ما يفعلون، إلا أن ضغط الظروف الاجتماعية والبحث عن “الهروب” يدفعهم إلى المجازفة بأرواحهم.

هذا التحول لم يعد يقتصر على فئة المتشردين أو أطفال الشارع، بل امتد ليشمل شباباً ويافعين من أسر عادية، يجدون في هذه المواد بديلاً منخفض التكلفة مقارنة بالمشروبات الكحولية التقليدية. وتكمن الخطورة الأكبر في أن هذه العطور تحتوي على نسب عالية من الكحول (قد تصل إلى 90 في المئة في بعض الأنواع)، والتي عند خلطها بمواد أخرى أو تناولها بجرعات كبيرة، تؤدي إلى تسمم حاد قد يفضي إلى الوفاة أو إلى مضاعفات صحية دائمة كالفشل الكلوي أو تلف الكبد والجهاز العصبي.

حي إحشاش: من الفقر والتهيئة المتعثرة إلى بؤرة للموت

وإذا كان حي إحشاش بأكادير قد عانى لسنوات من مشاكل مرتبطة بتعثر أشغال التهيئة وانتشار الأتربة والحفر، فضلاً عن ضعف الإنارة والفضاءات الترفيهية ، فإنه يدفع اليوم ثمناً باهظاً لتراكم هذه الاختلالات. فغياب البدائل الترفيهية والثقافية، وتفشي البطالة والفقر في صفوف الشباب، خلق أرضية خصبة لانتشار مثل هذه الظواهر المدمرة. والضحايا ليسوا أرقاماً، بل هم أبناء وفلذات أكباد، كان يفترض أن يكونوا في مقاعد الدراسة أو في سوق الشغل، لا أن يضعوا حداً لحياتهم بيدهم بحثاً عن لحظة نسيان.

صمت مريب ونداء للتحقيق

في خضم هذه الفاجعة، يطرح السؤال بقوة: كيف يمكن لمواد سامة بهذا المستوى من الخطورة أن تُباع بهذه السهولة، وتحت أعين الجميع، وبأثمان تزداد ارتفاعاً يوماً بعد يوم؟ إن استمرار بيع هذه العطور القاتلة عند بائعي العطور، دون رقابة أو قيود على بيعها للقاصرين أو لمن يشتبه في اقتنائها لأغراض غير تجميلية، يعد تواطؤاً صامتاً مع الموت.

ومن هذا المنبر، نجدد نداءنا الصارخ إلى كافة المتدخلين، من سلطات محلية وأمنية ومصالح صحية وجمعيات حماية المستهلك، بفتح تحقيق عاجل وشامل في هذه الظاهرة. إننا نطالب بـ:

  1. تحديد المسؤوليات: حول كيفية وصول هذه المواد إلى أيدي الشباب، ومن يقف وراء ارتفاع أسعارها المفاجئ.
  2. مراقبة نقاط البيع: تشديد الرقابة على محلات بيع العطور، ومنع بيع أي مواد كحولية غير مخصصة للاستهلاك الآدمي دون قيود صارمة.
  3. التوعية والتحسيس: إطلاق حملات توعية في المدارس والأحياء الشعبية حول مخاطر شرب العطور والكحول الحارق، بمشاركة أطباء وأخصائيين نفسانيين.
  4. توفير البدائل: خلق فضاءات حقيقية للشباب تمارس فيها أنشطة رياضية وثقافية، بدل تركهم فريسة للفراغ والانحراف.

إن حياة شاب واحد تساوي الدنيا بأكملها. والموت البطيء الذي يزحف إلى أحيائنا تحت مسميات براقة كـ”العطر” و”المسكر الرخيص” يتطلب منا جميعاً، مسؤولين ومواطنين، وقفة جادة وحازمة قبل أن نفقد المزيد من فلذات أكبادنا.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button