القرصان السلاوي عبد الله بن عائشة الذي تحدث عنه الرئيس الفرنسي ماكرون في خطابه أمام البرلمان المغربي

ظهر في دولة السلطان المولى إسماعيل العلوي الرئيس المجاهد و “المسلم الحقيقي” كما يصفه المؤرخون الغربيون عبد الله بن عائشة ، فذاع صيته و سمع في العالمين الأوربي و المغربي صوته ، و عمت شهرته الممالك و الدول التي على البحرين ، الابيض المتوسط و المحيط الأطلسي أواخر القرن 17 الميلادي، و اعتبرته أوربا آخر مشاهير قراصنة سلا جرأة و شجاعة و صولة سواء الذين تقدموا أو الذين جاؤوا بعده .
و زاد ظهورا و بروزا في عالم السياسة الخارجية للبلاد لما وجهه السلطان المولى اسماعيل سفيرا عنه الى ملك فرنسا لويس الرابع عشر الذي يعرف بالملك الشمس (Le roi soleil) لإثبات السلم و فداء الأسرى و لم يكن قبل اختيار السلطان له لهذه المهمة إلا مجاهدا من المجاهدين البحريين الممتازين بالعدوتين (سلا و الرباط).
ولد عبد الله بن عائشة السلاوي لأسرة مغربية أندلسية و بدأ تعاطيه للجهاد البحري و الشؤون البحرية سنة 1672.
و لم يكن له في السنين الأولى في حياته ما يفضل به عن غيره الى سنة 1684 لما عين قائدا للأساطيل السلاوية.
و افتتح أعماله باصطدامه مرارا مع الأساطيل الإنجليزية، و بعد معارك شديدة عنيفة كاد أن يذهب معها ، و في 15 يوليوز من السنة نفسها تابعه قرصان إنجليزي و نجا منه لما جنح الى شاطئ قرب سلا و لم يصل الى البر الا بعد مشقة عظيمة .
ثم توالت أعماله الجهادية فأصبح ينقض هو و بحارته على السفن الأوربية كالصقور ثم يعودون بما غنموا الى سواحل سلا ، حتى أن قائد السفن الحربية الفرنسية وجه إنذارا الى علي بن عبد الله حاكم طنجة محذرا اياه من تبعات أعمال ابن عائشة و ما سيؤول اليه الأمر في حال استمرارها.
لكن ابن عائشة لم يأبه لتهديدات الفرنسيين و استمر في أعماله حتى أنه كان يغزو صيفا و “شتاءا” على غير عادة السلاويين في السابق .
كان ابن عائشة يبتعد بسفنه في شواطئ المحيط الأطلسي متجها صوب المياه المجاورة لفرنسا وإنجلترا، بل إلى الدانمارك وجزرها ليضايق سفنها، كما روَّع ساحل البوغاز وقادش، متعقبا السفن الأوروبية المتوجهة والعائدة من القارة الأمريكة، وقد وقع أسيرا سنة 1680 في قبضة سفينة إنجليزية، وكان قد اشتهر يومئذ كزعيم معروف لقراصنة سلا .
ظل أسيرا في بريطانيا مدة 3 سنوات حتى اهتم بأمره جيمس أخو تشارلز الثاني وتدخل لإطلاق سراحه. و كان ابن عائشة يتقن الإسبانية و الإنجليزية، و قد سهل له مقامه ببريطانيا الاطلاع على عادات المجتمع الأوروبي، حيث تصفه المراجع الأجنبية بالذكاء والدهاء، و وصفه مسؤول فرنسي «بالعدو اللدود للفرنسيين».
وعندما أصبح جيمس الثاني ملكًا، توجه ابن عائشة باسم السلطان مولاي إسماعيل إلى إنجلترا لتهنئته.
عد عقد هدنة بين فرنسا والمغرب في يوليو 1681، تم تشكيل سفارة مغربية إلى فرنسا يقودها الحاج محمد تميم وأخرى سنة 1685م ولم تأتي أي منهما بنتيجة هامة.
فقطعت فرنسا والمغرب علاقتهما التجارية بين سنة 1686-1688، وحضرت بعثة فرنسية إلى المغرب سنة 1689 بقيادة بيدرو سان أولون فلم تأتي بنتيجة.
ماري آن دو بوربون التي أثارت اهتمام السفير ابن عائشة، وجعلته يقترح على السلطان مولاي إسماعيل أن يخطبها.
وبعد أن صادق السلطان على معاهدة هدنة مع لويس الرابع عشر لمدة ثمانية أشهر، تم تعيين ابن عائشة على رأس سفارة مغربية لفرنسا، وحمل السفير رسالة اعتماده موجزة، مؤرخة في 23 ربيع الأول 1110 هـ وفيها يلقب السلطان ابن عائشة ب«قبطان البحر» وب«الرئيس»، وقد حضر شاطو رونو لمرافقة هذه البعثة التي كان من بين أهم أعضائها علي بن عبد الله قائد طنجة و معنينو و أخو قائد سلا.
كما اصطحب ابن عائشة ترجمان من التجار الفرنسيين المقيمين بالمغرب و اسمه فابر وتحركت السفينة الفرنسية من حوض أبي رقراق في 17 أكتوبر 1698م ثم رست بميناء بريست، التي أقام بها السفير مدة شهرين لأسباب تشريفية إذ كان الملك لويس يريد أن يحيل ابن عائشة على بعض رجال دولته لمفاوضته، دون أن يستقبله، و لكن ابن عائشة احتج بشدة على هذا السلوك و رفض بدأ أي مفاوضات قبل أن يتم استقباله من طرف الملك، فأجبر المسؤولين على الاستجابة لطلبه.
وغادرت البعثة مدينة بريست في 12 يناير 1699م متوجهة إلى باريس، مثيرة فضول الفرنسيين في الطرقات و الشوارع للترحيب و التطلع بها. وبصحبتهم «سانت أولم» و «دو لاكروا»، وتجولوا في عدة مدن فرنسية كالرين ونانت.
وصل إلى باريس يوم 5 فبراير 1699. وفي قصر فرساي وهو يرتدي لباسه المغربي، ألقى ابن عائشة خطبته باللغة العربية أمام لويس الرابع عشر، ثم ترجم خطابه إلى الفرنسية من طرف دولاكروا. فأدهش الفرنسيين بطريقة حواره و نقاشه و دفاعه عن الإسلام، و بعد ذلك جرت محادثة ودية قصيرة بين السفير والملك، و توبعت المفاوضات حول الأسرى من غير نتيجة، و هكذا عاد ابن عائشة إلى المغرب بعد أن اتصل في باريس بعدة شخصيات على رأسها جيمس الثاني ملك إنجلترا السابق الذي اختار فرنسا منفى له بعد أن تنازل عن العرش عقب الثورة في عام 1688.
وكان ابن عائشة قد سبق أثناء مقامه بباريس أن رأى وسمع عن ابنة لويس الرابع عشر و تدعى ماري آن دي بوربون «Marie-Anne de Bourbon» فأعجب بجمالها، واقترح على مولاي إسماعيل بعد عودته من أحد أسفاره من فرنسا إلى المغرب أن يخطب هذه الأميرة. و ذكر له محاسنها و معرفتها بالموسيقى و الأدب، و أن الزواج بها سيكون إثباتاً للسلم والصلح ويسهل فداء الأسرى بين الجانبين، فكلفه السلطان بخطبتها له من والدها الملك لويس الرابع عشر، لتكون زوجة له على مقتضى الشريعة الإسلامية، مع بقائها على دينها إن أرادت ذلك. رغم أن المصادر الفرنسية تذكر الكثير من تفاصيلها حيث كانت حديث الأندية والمجالس والصحف الباريسية. لكن هذه الخطبة لم تصادف قبولا، ووقع الاعتذار عنها بسبب الاختلاف في الدين والعقائد.
خلال رحلاته لفرنسا شاهد المسرح، وعند عودته إلى بلاده كان محاضرا لبقا عن رحلاته ومشاهداته.
لم يلبث الدبلوماسي السلاوي أن استقر في رباط الفتح، وقد جمع في هذه السن ثروة مادية مهمة، جعلت خليفة السلطان بمكناس، الذي ناب عن السلطان لغيابه بالحدود الشرقية، يطمع فيه ويطلب منه قدرا كبيرا من ثروته، ولما امتنع عن ذلك نكل به وجلده، ورغم ضغط زوجة ابن عائشة على زوجها ليعطي ما طلب منه حتى يتفادى التعذيب فإن السفير المغربي ظل مدة يعاني من الألم الذي أجحظ عينه و آذى جسمه،
توفي عبد الله بن عائشة سنة 1712.و لا تزال مدينة الرباط تحتفظ له ببرج يحمل اسمه، على شاطئ المحيط من جهة بورقراق حيث يوجد بالبرج نفق يتصل بدار سكناه في زنقة سيدي مأمون قرب الزاوية المختارية بجانب سقاية ابن المكي الحالية، كما أن في الرباط سقاية ابن عائشة المعروفة إلى اليوم نسبة إليه، وفندق ابن عائشة الموجود حاليا بالقيصارية. ويحمل مسجد بزنقة بوقرون بالرباط اسم أخته نخلة.



