مهرجان أركان إحاحان بتمنار: لوحة أمازيغية تزاوج بين الروحاني والفني

الصويرة –
في مشهد يعكس ثراء التراث الأمازيغي وسحره، احتضنت قرية تمنار بالقرب من الصويرة الدورة الأخيرة من مهرجان “أركان إحاحان”، الذي يجسّد بصدق روح الأصالة والتناغم بين المقدس والفني. المهرجان، الذي يُعدّ أحد أبرز المحطات الثقافية في منطقة سوس، تحوّل إلى فضاء حيوي تتدفق فيه أنغام “الروايس” (الفنانين الأمازيغ) وسط أجواء من الدعاء والكلمات الروحانية التي يلقيها “الفقهاء”، في تقاليد متجذرة تكرّس التكامل بين الفن والدين.
الفقيه والروايس: حوار الأصالة
العبارة الأمازيغية التي تتردد في المهرجان: “الروايس كيتسناو غير ايسالي الفقيه او كلمة” (الروايس لا يبدأون إلا بعد انتهاء الفقيه من كلمته)، تلخّص فلسفة هذا اللقاء الفريد. فقبل أن تعلو الألحان، يُفسح المجال للكلمة المقدسة، حيث يجلس الجمهور بين يدي الفقيه الذي يلقي الدعاء أو موعظة تلامس هموم المجتمع وقيمه. وبمجرد أن يختتم كلمته، تنتقل الأضواء إلى فرق “الروايس”، حاملين آلاتهم التقليدية مثل “الكمان الجبلي” و”اللوطار”، ليبثّوا في الحاضرين طاقة من الفرح والانتماء.
هذا التناوب بين الروحاني والفني ليس مجرد ترتيب زمني، بل هو تعبير عن رؤية ثقافية عميقة ترفض الفصل بين “الحق” و”الحياة”، كما يوضح الباحث في التراث الأمازيغي، عمر أزناك: “المجتمع هنا يرى في الفن رسالة سامية لا تقل قدسية عن الخطاب الديني، فكلاهما يُغذّي الروح ويُصلح المجتمع”.
أركان إحاحان: أكثر من مهرجان
يحمل المهرجان اسم “أركان إحاحان” (أي “أيام العسل”)، كناية عن طقس تقليدي مرتبط بجني العسل من جبال الأطلس، والذي يُعتبر رمزاً للبركة والعطاء. وهكذا، يُحوّل المهرجان القرية إلى خلية نحل فنية، حيث تُعرض منتجات محلية من العسل والأركان، إلى جانب ورشات للحرف اليدوية والأزياء الأمازيغية.
لكن الأهم يبقى الموسيقى، التي تُعيد إنتاج قصص الأجداد وهموم الحاضر. تقول فاطمة تيغما، إحدى الحاضرات: “هنا نتعلم أن الفن ليس لهزّ الرؤوس فقط، بل لزرع القيم. عندما يغني الروايس عن الأرض أو عن العدالة، يصبح الفن مرآة شعبنا”.
تحديات الحفاظ على التراث
رغم النجاح الجماهيري، يُحذّر منظّمو المهرجان من مخاطر التهميش والانزياح عن الجذور. إبراهيم أوبلا، رئيس جمعية المهرجان، يشير إلى أن “العولمة وتدني الدعم المادي يهددان استمرارية مثل هذه الفعاليات”. لكنه يعود ليبثّ التفاؤل: “ما يجعله صامداً هو أنه ينبض بقلب الناس، فالأمازيغية ليست لغتنا فحسب، بل هي ذاكرتنا الجمعية”.
في الختام، يظل مهرجان “أركان إحاحان” شاهداً على قدرة الثقافة الأمازيغية على الصمود والاندماج في العصر الحديث دون أن تفقد روحها، مقدّماً نموذجاً فريداً للتعايش بين الانتماء إلى الأرض والانفتاح على العالم.



