جاهزية الدولة المغربية في مواجهة الكوارث الطبيعية: نموذج فعالية ميدانية يُدرَّس

في الوقت الذي تعيش فيه عدة دول متقدمة ارتباكًا واضحًا في تدبير الكوارث الطبيعية، برهنت الدولة المغربية، مرة أخرى، على جاهزية عالية ونجاعة ميدانية لافتة في التعاطي مع الفيضانات الأخيرة، في مشهد يعكس قوة التنظيم، سرعة القرار، وتكامل عمل المؤسسات.
ففي ظرف زمني قياسي، تمكنت السلطات المغربية من تنفيذ عمليات إجلاء واسعة شملت عشرات الآلاف من المواطنين، مع توفير الإيواء المؤقت، الغذاء، الرعاية الصحية، والأمن، في احترام تام لكرامة الإنسان وسلامته. وهو ما يجعل من التجربة المغربية نموذجًا يُقارن، بل ويتفوق في بعض جوانبه، على ما شهدته دول كبرى خلال كوارث مشابهة.
إجلاء جماعي في ظروف قياسية
إجلاء أزيد من 130 ألف شخص بمدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة لم يكن عملية عشوائية أو مرتجلة، بل نتاج تخطيط مسبق، تنسيق محكم، واستعداد لوجستي محكم شاركت فيه مختلف الأجهزة:
القوات المسلحة الملكية، الدرك الملكي، الأمن الوطني، الوقاية المدنية، السلطات الترابية، والهلال الأحمر، إضافة إلى تعبئة المجتمع المدني.
في المقابل، تُظهر تقارير دولية أن بعض الولايات الأمريكية، رغم إمكانياتها الهائلة، واجهت صعوبات كبيرة في إجلاء أعداد أقل من ذلك بكثير خلال فيضانات ضربت ولايات مثل تكساس وواشنطن ونيفادا، وهو ما فتح نقاشًا واسعًا هناك حول نجاعة تدبير الكوارث.
تنسيق أمني وإنساني محكم
ما يميز التجربة المغربية ليس فقط سرعة التدخل، بل العمل المتكامل بين البعد الأمني والبعد الإنساني.
فلم يُسجَّل أي انفلات أمني، ولا حالات فوضى أو نهب، بل ساد الانضباط والتضامن، بفضل الانتشار الميداني المنظم، والتواصل المستمر مع الساكنة.
كما تم توفير الخيام، الأغطية، المواد الغذائية، والماء الصالح للشرب، إلى جانب العناية الطبية والنفسية، خاصة للفئات الهشة من أطفال، مسنين ونساء.
دولة تتدخل قبل تفاقم الكارثة
اللافت في هذا التدبير هو اعتماد منطق الاستباق بدل رد الفعل، حيث تم إخلاء مناطق مهددة قبل بلوغ الخطر ذروته، وهو مبدأ أساسي في أحدث استراتيجيات Environmental Disaster Management المعتمدة عالميًا.
هذا النهج جعل الخسائر البشرية محدودة جدًا، مقارنة بحجم الكارثة، وأكد أن المغرب راكم تجربة حقيقية في تدبير الأزمات، نابعة من واقع ميداني وليس من تقارير مكتبية.
رسالة واضحة
ما تحقق ليس صدفة ولا “حظًا”، بل نتيجة:
- مؤسسات ميدانية فعّالة
- قيادة مركزية حازمة
- أجهزة أمنية ومدنية ذات تكوين عالي
- ثقافة تضامن مجتمعي راسخة
وفي زمن يكثر فيه التشكيك، تثبت الوقائع أن الدولة المغربية، حين يتعلق الأمر بحماية المواطنين، تكون في الموعد.
إن ما شهدته المناطق المتضررة من الفيضانات ليس فقط عملية إنقاذ، بل درس عملي في سيادة الدولة، نجاعة مؤسساتها، وقدرتها على حماية شعبها في أصعب الظروف.




