أخبار عامة

حين تخون الذاكرة بعض الساسة: المغرب ليس ولاية في خرائط الوصاية

يبدو أن وزير الخارجية التركي قد جانبه الحدّ الأدنى من الدقة التاريخية، حين سمح لنفسه بنشر صورة تتضمّن خارطة المغرب من زاوية توحي بالوصاية أو الاستعلاء، في تجاهل صارخ لحقائق راسخة لا يختلف حولها المؤرخون، مهما اختلفت المدارس والروايات.

فالمملكة المغربية لم تكن يومًا كيانًا طارئًا على الجغرافيا السياسية، ولا ولايةً تابعة لأي إمبراطورية، عثمانية كانت أو غيرها. وهذه ليست وجهة نظر، ولا خطابًا سياديًا معاصرًا، بل حقيقة حُسمت بالسيف والدم في واحدة من أبرز محطات التاريخ المغاربي: معركة وادي اللبن سنة 1558.

في تلك المعركة، واجه المغاربة جيشًا عثمانيًا كان يتقدّم غربًا في سياق مشروع توسعي واضح، فتصدى له الجيش المغربي وأوقف زحفه بالقوة، مُلحقًا به هزيمة أنهت عمليًا أي محاولة لفرض النفوذ العثماني أو تحويل المغرب إلى إيالة تابعة. ومنذ تلك اللحظة، كُتب فصل نهائي في هذا الباب: المغرب دولة مستقلة بقرارها، وحدود سيادتها تُرسم بقدرتها على الدفاع عنها.

لم يحتج المغرب يومًا إلى اعتراف من إمبراطوريات كي يوجد، ولا إلى خرائط الآخرين ليُعرّف نفسه. فقد استمر كدولة قائمة بذاتها، بسلاطينها ومؤسساتها وشرعيتها، بينما تراجع المشروع الإمبراطوري العثماني تدريجيًا إلى كتب التاريخ، بعد أن استنفد منطق التوسع أكثر مما امتلك من شرعية الاستمرار.

والفرق هنا واضح وجوهري:
دولة صمدت لأنها دافعت عن نفسها، مقابل إمبراطورية انتهت لأنها اعتقدت أن التاريخ يُدار بالقوة وحدها لا بشرعية الدول وخصوصياتها.

إن استحضار هذه الوقائع ليس عداءً لتركيا ولا إنكارًا لتاريخها، بل تذكيرٌ بأن احترام الدول يبدأ باحترام تاريخها، وأن المغرب، الذي ورّث أبناءه معنى العز والسيادة، لم يكن ولن يكون موضوع وصاية، لا في الخرائط ولا في الخطاب.


Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button