أخبار عامة

غربة المصابيح في ديارها: لماذا نكتب عن علماء المغرب؟

لم يكن المغرب الأقصى يوما عقيما، بل كان وما يزال رحما ولودا للفكر، ومشرقا لأنوار الهداية، ومنارة تشع ببدائع العلوم. في أزقة فاس العتيقة، وبين جدران القرويين، وفي حواضر مراكش وسوس والرباط، نبتت عقول فذة، صاغت للهوية المغاربية دثارا من الأصالة والوسطية، وزاحمت بعلمها وحكمتها كبار جهابذة الأمة شرقا وغربا.
لكن المرء ليصاب بغصة في حلقه، ودهشة تملأ جوانحه، حين يرى عواصم فكرنا اليوم وقد أصاب أبناءها نوع من “الاستلاب الثقافي” والجهل المطبق بمخزونهم المحلي.

المفارقة الموجعة: غيوم المشرق ومطر المغرب

إن الدافع الذي يحرك القلم ويشعل في النفس حرقة الكتابة، هو تلك المفارقة الحزينة التي نعاينها في مجالس شبابنا وطلابنا اليوم. لقد انفتحت عقولهم على عطاء علماء المشرق العربي – لا سيما علماء المملكة العربية السعودية الأجلاء – فصاروا يحفظون أسماءهم، ويقتفون آثارهم، ويستظهرون فتاواهم، في حين غابت عن وعيهم قامات بلدهم الشامخة، وسادت غفلة غريبة عن إرثهم الفقهي والفكري الممتد لقرون.

كلما جلست إلى طالب علم يبتغي المعرفة، أو باحث ينشد الحقيقة، بل حتى العامي الذي يبحث عن رشاد في دينه، وخضت معهم في نازلة أو مسألة، وجدت الجواب حاضرا، جاهزا، ومعلبا بلغة مشرقية: «قال الشيخ فلان (من السعودية)».

تُساق هذه الأقوال وكأنها الفتوى الوحيدة التي نزل بها الوحي، وكأن أرض المغرب لم تطأها أقدام الفقهاء، ولم تجر على ألسنة علمائها بدائع الفهوم!

لماذا نكتب إذن؟

إن الكتابة عن الشيوخ والعلماء المغاربة في هذا الزمان ليست ترفا فكريا، ولا تعصبا جغرافيا ضيقا، بل هي واجب حضاري وإعادة للاعتبار، وذلك لأسباب عدة:

كسر جدار العزلة المعرفية: إننا نكتب لنبني جسرا بين الشباب الحائر وبين علمائهم؛ ليعلموا أن لديهم مرجعيات تفوق في عمقها ومراعاتها للواقع المحلي الكثير مما يستوردونه من وراء البحار والرمال.

حفظ الخصوصية والهوية: لكل بيئة نوازلها وأعرافها، وعالم المغرب أدرى بوجدان إنسانه، وأعلم ببيئته وثوابته الدينية والوطنية. فكيف يستفتى من يعيش في بيئة مغايرة، ويترك من يتنفس هواء الأرض ذاتها؟

إنصاف التاريخ: من الظلم النكد أن تبقى كتب علمائنا مزارا للمخطوطات والباحثين الأكاديميين فقط، بينما يستحق هؤلاء الأعلام أن تصبح سيرهم نجوما يهتدي بها عامة الناس وشبابهم في دياجير الحيرة.

إن الهدف ليس التقليل من شأن علماء المشرق، فالعلم رحم بين أهله أينما كانوا، لكنها صيحة غيرة على عقول نشأت غريبة في أوطانها، تقتات على مائد الغريب وتجهل خيرات بيتها. نكتب ليعود لشبابنا ذلك الاعتزاز، وليعلموا يقينا أن في المغرب رجالا، لو فتشت خزائن علمهم، لوجد فيها الجيل الصاعد كفاية وهداية، ولكفوا عن الالتفات يمنة ويسرة وفي ديارهم تسطع الشموس.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button