أخبار عامة

التحولات الاجتماعية في منطقة سوس والشتوكة: من صمود الجبل إلى ديناميات الهجرة الإفريقية


بقلم الدكتور خالد العيوض.
تُعد منطقة سوس والشتوكة مختبراً سوسيولوجياً مفتوحاً لرصد التحولات العميقة التي صاغت وجه المغرب المعاصر. بصفتي باحثاً في التحولات الديموغرافية، أرى أن هذا المجال ليس مجرد حيز جغرافي، بل هو “ملتقى للحضارات” (Carrefour de civilisations) وفضاء جيوستراتيجي ظل عبر التاريخ محكوماً بجدلية التأثر والتأثير، حيث امتزجت فيه البنيات القبلية التقليدية برؤى الحداثة الاستعمارية، ثم بديناميات العولمة الفلاحية والهجرة الإفريقية.

  1. الإطار الجغرافي والتاريخي: سوس كملتقى للحضارات

تاريخياً، لم تكن “سوس” كياناً إدارياً ضيقاً، بل كانت مفهوماً اجتماعياً ممتداً يتقلص ويتمدد ليشمل أحياناً المغرب كله، قبل أن يستقر في الذاكرة الجمعية كفضاء يمتد من جنوب مراكش إلى “وادنون”. ومن الضروري سوسيولوجياً تفكيك مفهوم “الصحراء” الذي تبلور في المخيال المغربي؛ فبينما تُعرف الصحراء جغرافياً كفضاءات ممتدة في الشرق (تنغير، ورزازات) والجنوب الشرقي ووادنون، إلا أن “الصحراء” كمفهوم سياسي حصري للجنوب لم يظهر إلا بعد عام 1973.

هذا التمييز الجغرافي-السياسي ضروري لفهم “سوس” كصلة وصل تاريخية؛ فهي لم تكن يوماً منغلقة، بل كانت بوابتنا نحو العمق الإفريقي. هذا الانفتاح هو ما جعلها فضاءً للمواجهة المباشرة مع المشروع الاستعماري الذي سعى لإعادة هندسة المجال بشرياً وعسكرياً.

  1. الهندسة الاستعمارية وتفكيك البنية القبلية (1912 – 1934)

عند دخول فرنسا إلى المنطقة، اعتمدت استراتيجية “السهل والجبل”. فبينما سيطرت على السهل إدارياً بحلول عام 1920، ظل الجبل معقلاً للمقاومة. وهنا برز دور السوسيولوجيا الاستعمارية كأداة عسكرية؛ حيث قام الضابط والباحث “روبرت مونطاي” (Robert Montagne) بدراسات ميكرو-سوسيولوجية دقيقة، لم تقتصر على البنية القبلية فيما سماه “الجمهوريات البربرية”، بل شملت حتى “الصيادين المحليين في أكادير” (Les pêcheurs indigènes)، بهدف فهم “البنية الانقسامية” للمجتمع السوسي وتفكيكها.

  • المقاومة المسلحة: شهدت المنطقة آخر معاقل المقاومة المغربية في “آيت عبد الله” عام 1934 بقيادة “عبد الله زكور”. ورغم صموده الأسطوري أمام قصف الطائرات، يظل زكور “مغيباً” عن المقررات الدراسية، مما يستوجب إعادة الاعتبار لهذا الرمز التاريخي.
  • استراتيجية “تفريغ الجبل”: لم يكن التهجير اقتصادياً صرفاً، بل كان نصيحة سوسيولوجية من مونطاي للمقيم العام “ليوطي”. كانت القاعدة تقضي بإفراغ الجبل من شبابه لكسر شوكة المقاومة، عملاً بمقولته الشهيرة: “كل شاب يهاجر هو بمثابة بندقية أقل”. وهكذا بدأت أولى موجات الهجرة المنظمة من سوس نحو الخارج.
  1. دورات الهجرة الكبرى: من أنفاق باريس إلى “مكاتب” فيليكس موغا

تحول “السوسي” عبر القرن العشرين من نمط العيش المرتبط بالأرض إلى فاعل اقتصادي عابر للحدود. وقد واكب هذا التحول تغير تقني وتقافي؛ فبعد أن كان “أشتوك” يتاجر بالجمال مع الصويرة، باع جماله ليقتني أول حافلة (كار الفقر) التي اختصرت رحلة الشهر إلى يومين، مغيرتاً مفهوم المسافة والزمن.

المرحلة الزمنية وجهة الهجرة ونوعها الخصائص السوسيولوجية
ما قبل 1940 باريس والمدن المغربية بناء المترو بباريس، والنزوح نحو “الغرب” (الذي يبدأ في المخيال السوسي من الصويرة والقنيطرة والدار البيضاء).
1946 – 1957 الجزائر (“طيور وهران”) هجرة “مشي وحصاد”؛ يقطعون المسافات سيراً على الأقدام من سوس إلى وجدة، يشتغلون في الحصاد لتأمين رحلتهم.
1957 – 1976 حقبة “فيليكس موغا” تهجير 80 ألف شاب للمناجم الفرنسية؛ مرحلة وُصفت بـ “العبودية الحديثة” حيث كان موغا يختار الشباب بـ “وشم أخضر” على الصدور.

البعد الإنساني في الهجرة: لم تكن الهجرة عبر البواخر التجارية (الحريق) سهلة؛ فقد كان المهاجر يختبئ في مخازن الفحم (لي طونو) في ظروف قاسية، حاملاً معه “بذلتين”: بذلة وسخة لمواجهة غبار الفحم، وبذلة نظيفة يرتديها لحظة الوصول إلى مارسيليا ليظهر بمظهر لائق. هذه “البذلة الثانية” هي رمز للإرادة السوسية في النجاح والارتقاء الاجتماعي الذي رصده جون واتربري في أطروحته “الهجرة إلى الشمال”.

  1. التحول الفلاحي وانفجار “آيت عميرة”: من الضيعة التقليدية إلى القطب الدولي

منذ الثمانينات، ومع دخول “الضيعات المغطاة” (Les serres)، شهدت منطقة الشتوكة انقلاباً ديموغرافياً حولها من فضاء قروي بسيط إلى قطب دولي:

  • الانفجار السكاني: انتقلت “آيت عميرة” من 6000 نسمة في 1984 إلى 110,000 نسمة اليوم. ويبرز دوار “لقرام” كنموذج صارخ، حيث قفز من 1400 نسمة إلى 16,000 نسمة في ظرف قياسي.
  • الهجرة القروية نحو القرى: تشكلت بنية اجتماعية هجينة نتيجة نزوح اليد العاملة من هوامش المغرب (القصيبة، الحوز، الشياطمة) للاستقرار الدائم في الشتوكة.
  • التغير اللساني: تراجعت “تاشلحيت” كظهير لغوي مهيمن لصالح خليط “عروبية” الشياطمة ولهجات الحوز، مما أنتج هوية “ريفية-حضرية” متداخلة.
  1. المجتمع الإفريقي الجديد في سوس: التثاقف والاندماج الواقعي

منذ عام 2014، تحولت الشتوكة من “محطة عبور” للمهاجرين الأفارقة نحو الشمال إلى “مستقر نهائي”. يضم هذا المجال اليوم أكثر من 8000 مهاجر من 13 دولة (كوت ديفوار، السنغال، مالي…)، مما جعل دوار “لقرام” يبدو كقطعة من “باماكو” أو “كوناكري”.

  • المظاهر الاجتماعية: برزت أسواق إفريقية تبدأ نشاطها بعد الخامسة مساءً (لحظة خروج العمال من الضيعات)، حيث تُباع التوابل والأسماك المجففة، وتتعالى أصوات لغات “الولوف” و”السواحلية”.
  • نموذج “مول الحانوت”: في “بلفاع”، نجد تجاراً محليين تعلموا لغات المهاجرين لكسب ثقتهم. لقد أصبح “مول الحانوت” المغربي هو “البنك” الموثوق الذي يودع فيه المهاجر الإفريقي أماناته المالية، في صورة بليغة للاندماج الاقتصادي المبني على الثقة.
  • أطفال الجيل الجديد: يوجد اليوم أكثر من 600 طفل من أصول إفريقية ولدوا في المنطقة. هؤلاء الأطفال يبدون تفوقاً لغوياً لافتاً، حيث يتحدثون العربية والفرنسية بطلاقة تفوق أقرانهم المحليين، وهم يشكلون نواة “مواطنة مغربية” جديدة بدأت تتشكل داخل المدرسة العمومية.
  1. التحديات السوسيو-ثقافية: التدين البديل وصراعات الموارد

هذا التعدد البشري طرح تحديات غير مسبوقة على مستوى الممارسات الشعائرية وتدبير المجال:

  • الكنائس المنزلية: برزت ظاهرة “الكنائس المنزلية” في أوساط المهاجرين المسيحيين. وفي حادثة لافتة، تدخلت السلطات لإدارة توتر ناتج عن إقامة شعائر داخل منزل، وتم توجيه المهاجرين نحو الكنائس الرسمية بأكادير، مما يعكس بداية قبول التعددية الدينية في فضاء كان محافظاً.
  • صراع “الرحل الجدد”: ثمة فجوة عميقة بين “الترحال التقليدي” الذي كان محكوماً بـ “العقل الاجتماعي” ونظام “الفريق” (الخيمات السبع) الذي يلتزم بتقسيم الماء (من الظهر إلى العصر للرحل) وبذبيحة “المعروف” لختم الاتفاقات، وبين “أباطرة الرعي” المعاصرين. هؤلاء الأخيرون يديرون “شركات متنقلة” لا تحترم منطق “الجماعة”، مما يولد توترات اجتماعية حادة حول الموارد المستنزفة.
  1. خاتمة: نحو رؤية سوسيولوجية للمستقبل

إن التحولات في سوس والشتوكة هي صيرورة حية لم تكتمل فصولها بعد. إن مستقبل المغرب مرتبط عضوياً بعمقه الإفريقي (جنوب-جنوب)، وهو ما يتطلب منا قراءة التاريخ بعمق لفهم حاضرنا المتعدد.

رسالتي للباحثين هي ضرورة مغادرة “كراسي المكاتب” ولوحات المفاتيح؛ فالخبرة السوسيولوجية الحقيقية تُصاغ في الميدان. لن نفهم ديناميات الهجرة والتحول الاجتماعي إلا بالنزول إلى “دوار الطاوس”، “القليعة”، “تدارت”، “الحشاش”، و”دوار لقرام”. هناك، وسط ضجيج الأسواق الإفريقية وصمت الجبال المقاومة، يُكتب مستقبل المغرب المنفتح والمتعدد.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button