أخبار عامة

الزاوية البودشيشية: حين تُصبح الوصيةُ درعًا والمريدون سيفًا



ثمة مشهدٌ يتكرر في تاريخ المؤسسات الروحية حين تُخيِّم عليها غيومُ الخلاف على السلطة: يتمسّك أصحاب الحقوق المُدَّعاة بنصوص الوصايا كما يتمسّك الغريق بقشّة، ويجعلون منها سورًا منيعًا في وجه كل تساؤل، وحصنًا يُحصِّنون به مواقفهم ضد كل نقد. وهذا بالضبط ما يفعله المنتصرون لمنير القادري البودشيشي في مواجهة سؤال الشرعية الذي يُلاحق مشيختَه من أول يوم.


الوصيةُ حجّةٌ لا دليل
يقول المنتصرون لمنير إن وصية والده الشيخ جمال و المشكوك في أمرها كافيةٌ وشافيةٌ، وإن الأمر قد حُسم منذ لحظة كتابتها. غير أن هذه الحجة تنطوي على خلل منطقي عميق: فالوصية وثيقةٌ بشرية تصدر عن إرادة فرد، لا وحيٌ مُنزَّل يُوجب الطاعة على الجميع. والسؤال الذي يتحاشاه هؤلاء المنتصرون هو: على أيّ أساس اختار الشيخ جمال ابنَه الأكبر؟ هل اختاره لمّا رأى فيه من أهليةٍ روحية، أم لمجرد أن العُرف القبلي والاجتماعي المغربي يُقدِّم الابنَ الأكبر ويُدلِّله، مهما كانت قدراته؟ هذا سؤالٌ لا ينبغي السكوت عنه، فشؤون الطريقة الروحية ليست إرثًا عائليًا تسري فيه أحكام الميراث، بل أمانةٌ تستوجب أن يُناط بها الأجدر لا الأكبر.


التذرّع بالوصية وإسقاط سلطة الدولة
يزداد المشهد تعقيدًا حين يُجاهر مريدو منير بانتقاد وزير الأوقاف، متناسين أن وزارة الشؤون الدينية ليست طرفًا في نزاع عائلي بقدر ما هي امتدادٌ لمؤسسة إمارة المؤمنين التي تضطلع بالإشراف على الأمن الروحي للمغاربة. إن ما يبدو في ظاهره دفاعًا عن حقوق مشروعة، قد يُفضي في باطنه إلى منطق خطير مفاده أن سلطة الزاوية تعلو على سلطة الدولة. وهذا منطقٌ لا تحتمله دولةٌ تجعل من الأمن الروحي ركيزةً من ركائز السيادة الوطنية.
بل إن الأخطر في هذا الموقف ما يُروَّج في بعض الأوساط من تسرُّب تأثيرات جماعات ترفض الاشتغال من داخل المؤسسات الرسمية، وتُوظِّف التصوف أداةً لتحقيق أهداف تتجاوز حدود الزاوية وعالَم الروحانيات. فإذا صحّ ذلك، فإننا لا نكون أمام خلافٍ داخلي على المشيخة، بل أمام مسألة تمسّ صميم المشروع المجتمعي لهذه الطريقة.


الكاريزما والسرّ وما لا تحجبه الأوصايا
ثمة ما لا تستطيع وثيقةٌ قانونية أن تمنحه، وهو ما يُعبِّر عنه الصوفيون بـ”السرّ”. وللمراقب المنصف المتأمِّل في حركات الشيخَين ومواقفهما، أن يتساءل: أيّهما يجسِّد روحَ الطريقة في هدوئها وجلالتها؟ وأيّهما يحمل في سمته ونظرته شيئًا من ذلك الإشعاع الذي يجذب المريدين لا لأنهم مُلزَمون به، بل لأنهم يُبصِرون فيه ما يبحثون عنه من سكينة روحية؟ هذا سؤالٌ يتجاوز الوصايا والمستندات، ويدخل في عالم الوجدان الذي هو أساس كل طريقة حقيقية و كل هذه الصفات نجدها في شخصية الحاج مولاي معاذ القادري البودشيشي.


خاتمة: التصوف أكبر من النزاع على الكراسي
التصوف المغربي، بتاريخه الضارب في أعماق الهوية الوطنية، صمّامُ أمانٍ لا تستقيم وظيفته إلا حين يظل بعيدًا عن صراعات النفوذ والمصالح. فإذا تحوَّلت زاويةٌ بحجم البودشيشية إلى ميدان لـ”Bras de fer” تتجاذبه إراداتٌ متعارضة، كانت الخسارة الحقيقية من نصيب المريدين الصادقين الذين لم يسلكوا الطريق بحثًا عن شيخٍ يرث بالوصية، بل عن قلبٍ يهتدي بنور المعرفة.
وفي نهاية المطاف، لن تُحيي الوصيةُ مشيخةً لا إجماع لها، كما لن تُسقطَ شرعيةٌ راسخةٌ بقلمٍ طعن فيها. الروحُ لا تُورَّث، والسرُّ لا يُوصى به.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button