أخبار عامة

سيدي الحاج محمد الحبيب التنالتي.. علم الجبال وربيب المحاريب

في أعماق جبال الأطلس الصغير، وتحديدًا بدوار آيت الطالب إبراهيم بإقليم اشتوكة آيت باها، ولد حوالي سنة 1285هـ (1868م) طفلٌ يتيم الأب، لكنه كان غنيًا بعزيمة لا تلين، وهمة عالية جعلته أحد أبرز أعلام المغرب العلمية والروحية في القرن العشرين.

نشأ الشيخ محمد الحبيب التنالتي في كنف والدته، وذاق مرارة اليتم والفقر، غير أن تلك الظروف الصعبة لم تثنه عن الإقبال على العلم، فحفظ القرآن الكريم وأتقنه على يد ثلة من الأساتذة الفضلاء، ثم ارتحل بين المدارس العتيقة في منطقة سوس، متشربًا من مناهل العلوم الشرعية واللغوية والصوفية على أيدي كبار علماء عصره، ومنهم العلامة أبو العباس الجشتيمي الذي كان له الأثر البالغ في تكوينه الفكري والروحي .

مدرسة تنالت.. منارة العلم في قلب الجبل

بعد سنوات من الترحال والتحصيل، استقر الشيخ بقرية تنالت، حيث أسس مدرسته العلمية التي سرعان ما أصبحت قبلة لطلاب العلم من مختلف أنحاء المغرب، بل لعبت دور “الأزهر” في المنطقة السوسية . لم تقتصر الدراسة فيها على تحفيظ القرآن، بل تعدتها إلى دراسة الفقه المالكي، اللغة العربية، علم الفلك، الحساب، والفرائض، مع عناية خاصة بالأمداح النبوية والشعر .

وقد اتبع الشيخ أسلوبًا فريدًا في التدريس، جمع بين التعليم والتربية بالقدوة، فكان نموذجًا في الزهد والتقوى، إلى جانب خبرته في الطب التقليدي والنوازل الفقهية، مما جعله مرجعًا وحيدًا في المنطقة .

رجل العلم والجهاد والمجاهدة

لم يكن الشيخ الحاج محمد الحبيب مجرد عالم في برج عالي، بل كان مجاهدًا في عدة واجهات:

· محاربة الجهل: كرس حياته لتخريج أفواج من العلماء والفقهاء، حتى صار شيخ الجماعة بلا منازع في الديار السوسية .
· جهاد الاستعمار: عُرف بمواقفه الوطنية، حتى إنه التجأ إلى مغارة في الوادي عندما قصفت فرنسا مدرسته سنة 1933 . وقيل إن الملك الراحل الحسن الثاني استشاره قبل انطلاق “المسيرة الخضراء”، فاستحسنها ودعا لها بالتوفيق .

علاقة خاصة بالعرش

تروي المصادر أن العلاقة بين الشيخ والملك الراحل الحسن الثاني كانت قائمة على الاحترام المتبادل. حينما طلب الملك رؤيته في قصره، رد الشيخ برسالة مؤداها: “قل لسيدنا إني أحترمه، فمن تواضع لله رفعه، إن رغب في بركتي فليأتِ إلى الزاوية”، فكان الملك يزوره في تنالت ويجالسه .

إرث يمتد إلى اليوم

توفي الشيخ رحمه الله يوم الاثنين 26 محرم 1397هـ (1977م)، ودفن بجوار مدرسته التي ظلت منارة للعلم بعده . ومنذ وفاته، يتحول ضريحه ومدرسته كل سنة إلى قبلة لآلاف الزوار والطلبة، الذين يتوافدون من كل حدب وصوب لإحياء ذكراه بحلقات علمية وتلاوة للقرآن والأمداح، في موسم ديني سنوي يجسد الوفاء لرجل جمع بين العلم والجهاد والصلاح .

يبقى سيدي الحاج محمد الحبيب التنالتي رمزًا فريدًا في الذاكرة المغربية، حيث تجلت فيه عبقرية الجمع بين أصالة العلم الشرعي وروح الجهاد الوطني، والزهد في الدنيا مع مكانة رفيعة في قلوب الملوك والعامة على حد سواء.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button