لا لتسييس الرياضة… والتحكيم العادل هو الضمانة الأولى للنزاهة

لطالما كانت الرياضة لغةً عالمية جامعة، تبني جسور المحبة والاحترام بين الشعوب، وتظل بعيدة عن رهانات السياسة وإيديولوجياتها. وقد كرست المواثيق الرياضية الدولية هذا المبدأ، مؤكدة على استقلالية الملاعب عن أي تدخل سياسي، حفاظاً على قيم المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص التي تقوم عليها الروح الرياضية.
لكن ما شهدناه خلال كأس العالم قطر 2022، وتحديداً في المباراة التاريخية التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره الفرنسي في نصف النهائي، أعاد فتح نقاش واسع حول حدود العلاقة بين السياسة والرياضة، وطرح بقوة سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ماذا عن حيادية التحكيم عندما تكون المباراة محاطة بحضور سياسي وإعلامي كثيف؟
حضور سياسي أثار الجدل
شهدت تلك المباراة حضوراً بارزاً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مدرجات الملعب، إلى جانب تصريحات داعمة للمنتخب الفرنسي، الأمر الذي أثار تفاعلات متباينة بين الجماهير. ورأى البعض أن ذلك يعكس الدعم الطبيعي الذي يقدمه رئيس دولة لمنتخبه الوطني، بينما اعتبر آخرون أن هذا الحضور السياسي المكثف، في توقيت حساس كهذا، قد يفتح الباب أمام تأويلات لا تخدم مبدأ استقلالية الرياضة، وقد يؤثر – ولو بشكل غير مباشر – في أداء الحكام وفي ثقة الجماهير بنزاهة النتائج.
ظلم تحكيمي لا يمكن تجاوزه
لكن الجدل لم يقف عند الحضور السياسي فقط، بل تعداه إلى قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، وثقتها التقارير الإعلامية والرياضية، وأثارت احتجاجاً رسمياً من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لدى الاتحاد الدولي “فيفا”.
فقد تعرض المنتخب المغربي، وفق ما أكدته التحليلات التحكيمية، لحالاتتي جزاء واضحتين لم تحتسبا لصالحه:
· الحالة الأولى: في الدقيقة 27، تعرض اللاعب سفيان بوفال لاحتكاك واضح من المدافع ثيو هرنانديز داخل منطقة الجزاء، لكن الحكم المكسيكي سيزار راموس احتسب خطأ ضد بوفال وأشهر له بطاقة صفراء، بدلاً من احتساب ركلة الجزاء المستحقة.
· الحالة الثانية: قبل نهاية الشوط الأول، تعرض اللاعب سليم أملاح لمسك واضح من أوريلين تشواميني داخل المنطقة، لكن الحكم أمر بمواصلة اللعب، ولم تتدخل تقنية الفيديو (VAR) لمراجعة اللقطة، رغم وضوح المخالفة بشهادة العديد من المختصين في التحكيم، بمن فيهم الخبير التحكيمي المصري جمال الغندور.
وقد عبرت الجامعة الملكية المغربية عن استغرابها الشديد من عدم تدخل حكام الفيديو في هاتين اللقطتين، مؤكدة أن المنتخب حُرم من ركلتي جزاء كانتا كفيلتين بتغيير مسار المباراة، وأن مثل هذه الأخطاء تطرح تساؤلات جدية حول مستوى الشفافية والحيادية في إدارة المباريات الكبرى.
الرياضة فوق السياسة… والتحكيم فوق الشبهات
إن الدعوة إلى عدم تسييس الرياضة ليست موجهة ضد دولة أو مسؤول بعينه، بل هي دعوة مبدئية لحماية القيم النبيلة التي تأسست عليها المنافسات الدولية. ولكن هذه الدعوة تظل ناقصة إذا لم تتزامن مع مطالبة واضحة بتعزيز آليات التحكيم وضمان نزاهتها، وتفعيل تقنية الفيديو بشكل صارم وشفاف، بحيث لا تترك أي مجال للشك أو التأويل، خصوصاً في المباريات الحاسمة التي تحمل أبعاداً وطنية وقارية كبيرة.
لقد أثبت المنتخب المغربي في مونديال 2022، بروحه القتالية وإنجازه التاريخي، أن العمل الجاد والإيمان بالقدرات يمكن أن يصنعا المعجزات، وأن الجماهير العربية والإفريقية والعالمية وقفت خلف هذا الأداء المشرف، مؤكدة أن كرة القدم قادرة على توحيد الشعوب أكثر مما تفرقها. وهذه هي الرسالة الأسمى التي يجب أن تبقى حاضرة في كل المحافل الرياضية.
ولكن، في الوقت نفسه، لا يمكن غض الطرف عن الهفوات التحكيمية التي قد تشوه صورة هذه المنافسات وتزعزع ثقة الجماهير فيها. فالعدالة في الملعب هي الضمانة الحقيقية لتكريس مبدأ تكافؤ الفرص، وهي الركيزة التي بدونها تفقد الرياضة بريقها ومصداقيتها.
فلنرفع جميعاً صوتاً واحداً:
لا لتسييس الرياضة… ونعم للتحكيم العادل والشفاف.
الرياضة تجمعنا… والعدالة توحدنا… والنزاهة هي المنتصرة دائماً.



