واقع العقوبات البديلة في المغرب: نجاحات أولية وتحديات مستمرة

في إطار ورش إصلاح منظومة العدالة، كشفت وزارة العدل أن المحاكم المغربية أصدرت، إلى غاية منتصف أبريل 2026، ما مجموعه 2605 عقوبة بديلة، أسفرت عن الإفراج عن 1578 معتقلاً وتجنب إيداع 90 شخصاً آخرين بالمؤسسات السجنية.
هذه الأرقام التي أعلن عنها وزير العدل عبد اللطيف وهبي تعكس، حسب تعبيره، نجاحاً أولياً لتطبيق قانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الذي دخل حيز التنفيذ في 22 غشت 2025، في تحقيق أهدافه الأساسية المتمثلة في الحد من اكتظاظ السجون وتمكين المحكوم عليهم بعقوبات قصيرة من الاندماج داخل المجتمع.
ثورة في الفكر العقابي
يمثل هذا القانون نقلة نوعية في السياسة الجنائية بالمغرب، حيث يؤسس لانتقال من منطق العقاب الزجري إلى منطق الإصلاح وإعادة الإدماج. فالعقوبات البديلة لم تعد مجرد بديل عن السجن، بل أصبحت عقوبات قائمة بذاتها تهدف إلى:
· إصلاح السلوك وإعادة التأهيل
· الحفاظ على الروابط الاجتماعية للمحكوم عليه
· تجنب الوصم الاجتماعي الذي قد يلحق بالسجين وأسرته
· حماية المجتمع من أضرار الجريمة مع الحفاظ على كرامة المحكوم عليهم
ويقتصر تطبيق هذا القانون على الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها فيها خمس سنوات حبساً نافذاً، مع استثناء جرائم محددة تعتبر “خطيرة” مثل جرائم أمن الدولة والإرهاب، الاختلاس والرشوة، غسل الأموال، والاتجار الدولي في المخدرات.
الغرامات والعمل للمنفعة العامة في الصدارة
وفقاً لمعطيات الوزارة، شكلت الغرامات اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة النسبة الأكبر من العقوبات البديلة المطبقة، فيما ظل استخدام السوار الإلكتروني محدوداً بسبب تحديات تقنية ولوجستية، وهو ما يعكس ضرورة تعزيز البنيات التحتية والموارد البشرية لتعميم تنزيل مختلف أنواع العقوبات البديلة.
رهانات وتحديات
رغم هذه النتائج الإيجابية، يظل نجاح هذا الورش مرتبطاً بعدة عوامل، في مقدمتها:
- ترشيد الاعتقال الاحتياطي: وهو ما يستدعي تعزيز الضمانات القانونية للحد من اللجوء إلى هذا التدبير الاستثنائي، انسجاماً مع مبدأ قرينة البراءة.
- التحدي الثقافي والمجتمعي: لا يزال هناك تصور سائد لدى بعض الفئات بأن العدالة لا تتحقق دون اللجوء إلى السجن، مما يستدعي تضافر جهود الدولة والإعلام والمجتمع المدني للتعريف بالقانون الجديد وتبسيط مقتضياته.
- التحدي المؤسساتي: يتطلب التنزيل الفعال للقانون تنسيقاً محكماً بين مختلف المتدخلين في منظومة العدالة، من قضاة ومحامين وإدارة سجون، بالإضافة إلى توفير الموارد البشرية واللوجستية الكافية.
باب مفتوح أمام المحكوم عليهم سابقاً
من أبرز مزايا هذا القانون إمكانية تطبيقه بأثر رجعي، حيث أتاح المشرع للمحكوم عليهم قبل دخول القانون حيز التنفيذ التقدم بطلب إلى قاضي تطبيق العقوبة لاستبدال العقوبة الحبسية أو ما تبقى منها بعقوبة بديلة، شريطة توفر الشروط المطلوبة. وهو ما يعكس إرادة تشريعية واضحة لمنح فرصة جديدة للمعتقلين للإدماج الاجتماعي، وتخفيف الضغط على المؤسسات السجنية.
خلاصة
يمثل قانون العقوبات البديلة خطوة متقدمة في مسار إصلاح منظومة العدالة، يجمع بين الحفاظ على الأمن العام والاستجابة للمعايير الحقوقية. غير أن نجاحه على المدى البعيد يظل رهيناً بتجاوز التحديات التقنية والمجتمعية، وتعزيز ثقافة العقوبات البديلة كخيار عقابي فعال، وليس إفلاتاً من العقاب.



