أخبار عامة

وصية مشكوك فيها: قراءة نقدية في توقيت وإجراءات التوقيع عليها

لم يكد يمر أسبوع على إعلان الزاوية الأم بمداغ إقامة ليلة روحية إحياء للذكرى الأولى للشيخ مولاي جمال الدين القادري بودشيش، حتى عادت إلى الواجهة تساؤلات قانونية وإدارية حول الوثيقة ( الوصية) التي تم بموجبها مطالبة نجله مولاي منير بمشيخة للطريقة.

وفق ما تم تداوله من طرف مصادر مطلعة، بعد الإعلان عن هذه “الوصية” خلال حفل إحياء الذكرى الثامنة لوفاة الشيخ سيدي حمزة، في يناير 2025. لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل كان الشيخ مولاي جمال الدين في حالة صحية تسمح له بتوقيع مثل هذه الوثيقة في ذلك التاريخ و في تلك الضروف.

تاريخ الوصية.. بين الحقيقة والملابسات

تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الشيخ مولاي جمال الدين كان يعاني من تدهور خطير في حالته الصحية خلال الفترة التي سبقت وفاته. ففي أبريل 2025، أي بعد أشهر فقط من التاريخ المذكور للوصية، أصدر الملك محمد السادس تعليماته بنقل الشيخ جمال الدين بشكل عاجل من داخل المصلحة الخاصة التي كان محتجزا بها بوجدة ( حسب مقربين) إلى المستشفى العسكري بالرباط على متن مروحية طبية تابعة للدرك الملكي، وذلك إثر التدهور المفاجئ لحالته الصحية.

هذا التدخل الملكي الاستثنائي، الذي يعكس المكانة الروحية للشيخ، يثير تساؤلات مشروعة: كيف يمكن لشخص كانت حالته الصحية تستوجب نقلاً جوياً عاجلاً قبل أشهر فقط، أن يكون في وضع يسمح له بتوقيع وثيقة رسمية بهذه الأهمية في يناير 2025؟

فراغ إجرائي في عملية التصديق

تطرح الوثيقة المزعومة إشكاليات إدارية لا يمكن تجاوزها:

· أين تم التصديق على الوصية؟ هل تم داخل الزاوية بمداغ، أم في مكان آخر؟
· ما هو رقم العملية والتسجيل الإداري؟ وهل تم إيداعها لدى الجهات المختصة؟
· من هو الموظف الذي قام بتصحيح الإمضاء؟ وهل يوجد أثر لهذه العملية في السجلات الرسمية؟
· هل تتطابق إجراءات التصديق مع الحالة الصحية للشيخ في ذلك التاريخ؟

لا يمكن لأي وثيقة تدعي الشرعية أن تظل بمنأى عن هذه الأسئلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف حساس كتوارث المشيخة في واحدة من أكبر الطرق الصوفية في المغرب، التي تحظى برعاية خاصة من العرش العلوي.

السياق الدولي والرهانات الخفية

لا يمكن فصل التساؤلات حول شرعية هذه الوثيقة عن السياق الأوسع الذي تعمل فيه الطريقة القادرية البودشيشية. فقد كشفت الطريقة، في أبريل 2025، عن “مخطط خارجي” يستهدف النيل من وحدتها ومكانتها، مشيرة إلى محاولات لتقويض النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني. وأكدت الطريقة أنها شرعت في إجراءات قانونية ضد جهات تسعى للمساس برسالتها الروحية والتربوية ، كما جاء في رسالة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية.

هذا السياق يضفي على مسألة الوصية أبعاداً إضافية، ويجعل من الضروري التحقق الدقيق من كل التفاصيل الإدارية والقانونية المتعلقة بها.

دعوة للشفافية والتحقيق

إن الطعن في صحة هذه الوثيقة لا ينطلق من موقف مسبق، بل من ضرورة الالتزام بمعايير الشفافية والنزاهة التي تفرضها مكانة الطريقة القادرية البودشيشية كإحدى أبرز المؤسسات الروحية في المغرب.

فالتحقيق لا يبدأ بالحكم على الوثيقة، بل بالسؤال: أين كان الشيخ مولاي جمال الدين يوم 16 يناير 2025؟ هل كان في منزله بمداغ، أم في مكان آخر؟ هل كان يتلقى علاجاً؟ من هم الشهود الذين حضروا عملية التصديق؟

الإجابة عن هذه الأسئلة، عبر السجلات الرسمية والشهادات الموثقة، هي الطريق الوحيد لتبديد أي شكوك حول شرعية هذه الوثيقة، وتعزيز الثقة في مسار التوارث الروحي لهذه الطريقة العريقة، التي تظل بحاجة إلى تحصين مؤسساتي يحميها من أي اختراقات أو تدخلات خارجية و داخلية في ظل إمارة المؤمنين.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button