النفايات في مدينة الجديدة: مشكل يراوح مكانه و الساكنة تبحث عن المسؤول عنه

تعيش مدينة الجديدة على وقع أزمة بيئية متفاقمة، حيث تحوّلت شوارعها وأحياؤها إلى فضاءات مكشوفة للنفايات المتناثرة، وانتشرت مطارح صغيرة في مختلف أنحاء المدينة، مما جعل السكان يعيشون يومياً مع روائح كريهة ومناظر غير حضارية.
هذه الأزمة ليست وليدة اليوم، بل هي مشكل يراوح مكانه منذ مدة، وفي كل مرة يُطرح فيه نقاش، يظهر سبب جديد لتبرير الوضع، وكأن سكان الجديدة مكتوب عليهم أن يعيشوا مع هذا الواقع المؤلم.
المقولة الشعبية تقول إن الأمور إذا أُسندت إلى غير أهلها، فانتظر الساعة. وهذا بالضبط ما يحدث في تدبير شؤون مدينة الجديدة. فالمشكل ليس في غياب الإمكانيات فقط، بل في سوء التدبير وعدم الكفاءة في معالجة الملفات الحياتية للسكان.
إن تدبير مدينة الجديدة يستحق تدخلاً عاجلاً من وزارة الداخلية، وإيفاد مسؤولين للوقوف ميدانياً على حجم المشاكل التي تعانيها المدينة وساكنتها، ومحاسبة المتسببين في هذا الإهمال، وإيجاد حلول جذرية لا ترقيعية.
ومن نماذج المعاناة اليومية، شارع جبران خليل جبران الذي لا يزال يرزح تحت الظلام، مما تسبب في حوادث سير عديدة. فقد انطلقت أشغال تهيئة هذا الشارع في 13 فبراير 2025، على طول 7.8 كيلومتر، بكلفة إجمالية بلغت 140 مليون درهم، وكان من المفترض أن ينتهي المشروع في صيف 2025، لكن الواقع جاء مخالفاً تماماً لذلك.
تم تقسيم المشروع إلى شطرين: الأول بتمويل من المكتب الشريف للفوسفاط بكلفة 60 مليون درهم، والثاني بتمويل من مجلس جهة الدار البيضاء-سطات. المفارقة أن الشطر الممول من الفوسفاط انتهت أشغاله واشتغلت الإنارة العمومية به، بينما الشطر الآخر لا يزال غارقاً في الظلام منذ أشهر.
فتحت مصالح وزارة الداخلية تحقيقاً معمقاً في تعثر هذا المشروع، واستمعت إلى الشركة المكلفة بخصوص مبرراتها حول عدم الانتهاء من الأشغال في الوقت المحدد. كما وقفت مصالح عمالة الجديدة على جملة من الاختلالات، ورفعت تقريراً إلى المصالح المركزية.
أما حديقة محمد الخامس، التي تعد من أقدم وأعرق الحدائق العمومية بالمدينة، فقد انطلقت أشغال تهيئتها في شتنبر 2025 بميزانية تقدر بـ 17 مليون درهم، ومن المنتظر أن تكتمل في خمسة أشهر. غير أن التأخير ضرب هذا الموعد أيضاً.
تتقدم الأشغال، لكن الصورة النهائية للحديقة ما تزال غائبة خلف أسوار الورش، وسط تساؤلات حول مآل المشروع وهوية المكان. كما أثير جدل حول إحاطة الحديقة بسياج حديدي في محيط ساحلي، حيث يرى منتقدون أن الحديد سيتعرض للتآكل والصدأ بفعل الرطوبة والملوحة، مما يثير مخاوف بشأن حسن تدبير المال العام.
تشير تقارير متطابقة إلى أن الشركات المكلفة بالتنفيذ لم تفِ بالتزاماتها، إذ تجاوزت جميع المشاريع المدد الزمنية المتفق عليها، ما حول أجزاء واسعة من المدينة إلى أوراش مفتوحة دون مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الأشغال.
ويطرح هذا الوضع أكثر من علامة استفهام حول دور جماعة الجديدة في تفعيل آليات المراقبة وتطبيق الجزاءات المنصوص عليها قانوناً في حق الشركات المتعثرة، وكذا حول الدور المحتشم لعمالة إقليم الجديدة في تتبع هذه المشاريع.
سكان الجديدة ليسوا مطالبين بالانتظار أكثر. المدينة تستحق تدبيراً رشيداً وكفاءات حقيقية تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. والوقت قد حان لتحرك جدي قبل أن تتحول المدينة إلى غرفة غاز خانقة.




