أخبار عامة

معرض مراكش الجوي: كيف تحوّل المغرب إلى قوة إقليمية ومنصة دفاعية لا غنى عنها؟

مقدمة: خسارة استراتيجية تتجاوز حدود المعرض

في الوقت الذي تحتضن فيه مدينة مراكش النسخة الثامنة من المعرض الدولي للطيران والدفاع، تتكشف صورة جديدة للتوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا. هذا الحدث، الذي يجمع أكثر من 200 شركة دفاعية عالمية ووفوداً من عشرات الدول، لم يعد مجرد معرض تجاري، بل أصبح مؤشراً على تحول عميق في موازين القوى الإقليمية. وبينما يتألق المغرب كمركز جذب للمنظومة الدفاعية العالمية، يجد الجار الشرقي نفسه خارج هذه المنصة الحيوية، في خسارة تتجاوز بكثير حدود غياب رمزي عن حدث واحد.

200 شركة عالمية: منصة لا تعوّض

يكشف حجم المشاركة في معرض مراكش عن مكانته الفريدة. كبرى الشركات العالمية — لوكهيد مارتن، بوينغ، إيرباص، سافران، تاليس، RTX — تحضر بأجنحة رئيسية، إلى جانب شركات من الصين وتركيا والهند وكوريا الجنوبية. والأهم من ذلك، يشارك سلاح الجو الأمريكي بطائرات F-35A في عرض جوي، احتفاءً بمرور 250 عاماً على التحالف الأمريكي المغربي.

ما الذي يعنيه هذا الكم من الحضور؟ بالنسبة لأي دولة تسعى لتحديث قواتها الجوية، يوفر معرض مراكش نافذة استثنائية “متكاملة”: من المقاتلات وطائرات النقل إلى الطائرات دون طيار والذخائر الموجهة بدقة وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية. يستطيع صانع القرار أن يلتقي بجميع الموردين الرئيسيين في زمان ومكان واحدين، بدلاً من التنقل بين عواصم متفرقة، بتكاليف لوجستية وزمنية وتنظيمية باهظة.

إذا حُرمت الجزائر من هذه المنصة، فإن قدرتها على الوصول للمعلومات وبناء قوة تفاوضية في ملف تحديث سلاح الجو ستتضرر بشكل ملموس. فالتفاوض الجماعي في سوق واحدة يمنح المشتري قدرة على المقارنة والمساومة لا يوفرها التفاوض المنفصل مع كل مورد على حدة.

الحضور الإسرائيلي الأول: إشارة لا ينبغي تجاهلها

من أبرز المتغيرات في هذه النسخة، المشاركة العلنية الأولى لصناعة الدفاع الإسرائيلية. افتتحت المديرية العامة للتعاون الدفاعي الدولي (SIBAT) التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية جناحاً وطنياً، تقوده ثماني شركات كبرى بينها IAI وElbit Systems وRafael.

هذا الحضور هو الأعلى مستوى منذ تطبيع العلاقات المغربية-الإسرائيلية عام 2020. عرضت IAI نظام الضرب الدقيق بعيد المدى LORA وطائرة Heron MK II بدون طيار، بينما قدمت Elbit نظام PULS الصاروخي المعياري وطائرة Hermes 900، فيما جاءت Rafael بحلولها في مجال الصواريخ والدفاع الجوي.

الحضور الإسرائيلي الجماعي يتجاوز البعد التجاري: المغرب يبني شبكة توريد دفاعية متنوعة تمتد عبر أمريكا وأوروبا وإسرائيل وتركيا والصين والهند. هذه الاستراتيجية “لا تضع البيض في سلة واحدة”، وتمنح الرباط قدرة تفاوضية ونفوذاً يفوقان حجمها الفعلي في لعبة القوى الكبرى.

مأزق الجزائر: ما انقطع ليس فقط الرحلات الجوية

اتخذت الجزائر في السنوات الأخيرة مواقف دبلوماسية متشددة. ففي سبتمبر 2026، أعلنت قطع علاقاتها مع الإمارات وإغلاق مجالها الجوي. هذه الخطوات تعكس توجهاً نحو مزيد من العزلة الدبلوماسية.

غياب الجزائر عن معرض مراكش ليس سوى أحدث حلقة في هذا المسار. عندما تنفصل دولة — طوعاً أو قسراً — عن منصة إقليمية محورية، فإن الخسارة لا تقتصر على كفاءة الشراء قصيرة المدى. التأثير الأعمق هو استبعادها من شبكات تبادل المعلومات وتحليل الاتجاهات التكنولوجية والاتصالات الدبلوماسية غير الرسمية. فمعارض الدفاع ليست أماكن “للشراء” فحسب، بل هي حاضنات للعلاقات الاستراتيجية.

يُضاف إلى ذلك أن الإمارات تشارك كشريك استراتيجي في هذه النسخة بوفد رسمي كبير ومساحة عرض تتجاوز 1000 متر مربع. والخصومة الجزائرية-الإماراتية تدفع الجزائر客观上 نحو مزيد من التهميش على هذه المنصة الإقليمية.

“المنصّة” المغربية: شكل جديد من النفوذ الإقليمي

المسار المغربي يستحق التأمل. فالمغرب لم يعتمد فقط على قوته العسكرية أو أوراقه الطاقية، بل اختار أن يحوّل نفسه إلى مركز يربط أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط والأمريكتين في سلسلة الصناعة الدفاعية، ليحصل على نفوذ يتجاوز إمكاناته الصلبة.

تقوم هذه الاستراتيجية على ثلاث ركائز:

أولاً، منصة معارض مؤسسية. يُنظَّم معرض مراكش منذ 2008 كل سنتين، وقد راكم تأثيراً في العلامة التجارية واعتماداً على المسار. العارضون والوفود لديهم توقعات مستقرة، وهو ما يصعب على أي معرض ناشئ تقليده في المدى القصير.

ثانياً، شبكة شركاء متنوعة. أمريكا أقدم حلفاء المغرب، لكن الرباط تعمّق في الوقت نفسه علاقاتها مع إسرائيل والإمارات وتركيا والهند والصين. هذا “التحوّط متعدد الاتجاهات” يمنح المغرب قيمة عبور فريدة بين جميع الأطراف.

ثالثاً، طموح التوطين الصناعي. المغرب لا يريد أن يكون “منصة عرض” فقط، بل “مصنعاً”. ويؤكد المنظمون أن هدف المعرض تعزيز نقل التكنولوجيا والشراكات المحلية وبناء القدرات الصناعية. أي أن المغرب ينتقل من مستورد للسلاح إلى فاعل في سلسلة الصناعة الدفاعية الإقليمية.

خلاصة: المنصة نفسها قوة

تكشف مشاركة 200 شركة في معرض مراكش عن إعادة تشكيل عميقة لمشهد الدفاع في شمال أفريقيا. فقد نجح المغرب، عبر إدارة منهجية، في الارتقاء من “مشارك” إلى “مزوّد للمنصة”. أما غياب الجزائر — سواء كان اختياراً طوعياً أو استبعاداً قسرياً — فيعني أنها تفقد عقدة رئيسية كان يمكنها من خلالها الحصول على معلومات استراتيجية وبناء علاقات متعددة بتكلفة منخفضة.

في دبلوماسية الدفاع، المنصة نفسها هي القوة. والمغرب يمسك بهذه القوة يوماً بعد يوم.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button