وزير السيادة لا يُعزل بالضجيج: أحمد التوفيق وربع قرن من إصلاح الحقل الديني

في وقت تتساقط فيه أسماء وتُعاد فيه ترتيبات الحقائب الوزارية، بقي اسم أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ثابتاً في الحكومة الجديدة . هذا الثبات ليس صدفة، ولا هو محاباة لشخص، بل هو تعبير عن قاعدة دستورية وسياسية في المغرب: وزراء السيادة، وفي مقدمتهم من يتولى الأمانة الروحية للمملكة، لا يُعيَّنون ولا يُعفون تحت ضغط individuals أو جماعات، ولا وفقاً لمزاجية هذا الطرف أو ذاك. لو كان الأمر كذلك، لما سُمّوا أصلاً “وزراء سيادة”.
منذ سنة 2004، وتحديداً منذ الخطاب الملكي التاريخي الذي أعلن إعادة هيكلة الحقل الديني، ارتبط اسم أحمد التوفيق بورش إصلاحي عميق وشامل . لم يكن هذا الورش ردّ فعل ظرفياً على حدث أمني، بل كان استراتيجية مندمجة، ثلاثية الأركان، هدفها تحصين المغرب من نوازع التطرف، والحفاظ على هويته المتميزة بالوسطية والاعتدال، وتأهيل المؤسسات الدينية لتكون في خدمة المواطن، لا في خدمة حسابات ضيقة . ومنذ ذلك الحين، ظل الرجل في موقعه، يشرف على تنزيل هذا الورش بصبر وانضباط، بعيداً عن الأضواء والضجيج.
لا أحد يدّعي أن أحمد التوفيق ملاك لا يُخطئ. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه رجل مؤسسة، لا رجل جماعة. هو لا يسير حسب أهواء “فلان وفلان”، ولا يوزّع المشيخة أو التزكية على أساس الولاءات الشخصية أو العقائدية. المشيخة، في منطق الدولة المغربية، ليست جائزة تُمنح لمن يصفّق، ولا تُسحب ممن ينتقد. هي مسؤولية شرعية تخضع لشروط مضبوطة، يقررها العلماء والمجالس العلمية، لا تقررها حملات التشويه على مواقع التواصل الاجتماعي .
وقد تعرّض الوزير، في الآونة الأخيرة، لحملة ممنهجة من الإهانات والأكاذيب والافتراءات، بلغت حدّ الهجوم على منصة رقمية تابعة لوزارته بعد نشرها تعريفاً رسمياً لشيوخ الطريقة القادرية البودشيشية. لكن هذه الحملة، على شراستها، لم تغيّر قناعة الدولة بأن الرجل يبقى في موقعه. لماذا؟ لأن الدولة المغربية، في تدبيرها للشأن الديني، لا تتفاوض على استقرار مؤسساتها مع أي طرف، ديني أو سياسي أو إعلامي. الشأن الديني، كما قال الملك في خطاب 2004، “يستوجب التشبث بالمرجعية التاريخية الواحدة”، ولا يخضع لمنطق التجاذبات الحزبية أو المزايدات .
إن استمرار أحمد التوفيق في موقعه، في حكومة يُعاد تشكيلها في أكتوبر 2026، هو رسالة واضحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ليست حقيبة عادية، بل هي أمانة في قلب منظومة إمارة المؤمنين. من يتولاها لا يُستبدل لأنه أغضب جماعة أو أزعج محيطاً، ولا يُستبقى لأنه يرضي هذا الطرف أو ذاك. يُستبقى ما دام يخدم المؤسسة، ويُستبدل متى قررت المؤسسة ذلك، وفق معايير الدولة لا معايير “سواد عيون البعض”.
في نهاية المطاف، قد لا يُحبّ البعض أحمد التوفيق. وقد تزعجهم صراحته أو صلابته. لكن الدولة المغربية، في تعاملها مع وزراء السيادة، لا تحكم بالودّ ولا بالغضب، بل بالحكمة والثبات. وربع قرن من الإصلاح الديني المتواصل ليس شيئاً يُلغى بضغطة “ترند” أو بحملة افتراءات.



