الشيخ سيدي معاذ: ثمرة التربية الصوفية وصناعة الرجال

لم يكن الشيخ سيدي معاذ فتىً مدلَّلًا في كنف جدّه العارف بالله سيدي حمزة، ولا في بيت أبيه سيدي جمال (قدّس الله أرواحهما). كانت تنشئته تنشئةَ سالكٍ يُصقَل بالابتلاء، لا تنشئةَ حفيدٍ يُحاط بالدلال. وهذا هو منهج التربية الصوفية في إعداد الرجال: يُصاغ الصدق في ميدان الصبر قبل أن يُعطى صاحبه الأمانة.
مدرسة الصبر والاحتساب
خاض الشيخ معاذ غمار الابتلاءات صابرًا محتسبًا. واجه دسائس ومكائد حِيكت ضدّه بالبهتان من بعض أقاربه، ثم ضاق به البيت، فعاش مع زوجته الكريمة وأبنائه الأبرار حالةً من النبذ والتهميش، بلا ذنب سوى صدق التوجّه. وكانت خدماته وتفانيه في الطريقة تُنقل إلى والده في صورة مكذوبة مشوَّهة، فلم تهتزّ له عزيمة، ولم تلن له قناة.
وهنا يظهر أثر التربية الصوفية في شخصيته. فالمريد الصادق يتعلّم أن البلاء مقام من مقامات الطريق، وأن الصبر الجميل جهاد للنفس يُظهر معدن صاحبه. ولم يلجأ إلى دفاعٍ ولا انتقام، فانجلت غمامة البهتان بعد حين، وانكشفت الحقائق ساطعة كالشمس، وعادت الأمور إلى نصابها.
الامتحان الأكبر: أدب المريد مع شيخه
بلغ الامتحان ذروته في واقعة تبهر الألباب. أراد سيدي جمال أن يُكرم ابنه، فأعدّ له فرصة للدراسة في فرنسا، ودفع رسوم التسجيل، وقدرها عشرون مليون سنتيم. غير أن سيدي معاذ، وقد تشرّب أدب المريدية الحقّة، نظر إلى سيدي حمزة بمنظور المريد الصادق لشيخه، لا بمنظور الحفيد لجدّه. فالسالك في الطريق لا يخطو خطوة ولا ينطق بحرف إلا بإذن مرشده. فوقف أمام أبيه بثبات وأدب مهيب وقال:
«حتى يأذن لي سيدي حمزة».
كان الجواب صاعقة على قلب الوالد، فقد ظنّ أنه قدّم لابنه هدية العمر. فاستشاط غضبًا وقال بحرقة الأب المصدوم:
«من اليوم لا أنت ابني ولا أنا أبوك، وما يجمعنا إلا شرف النسب، فاذهب إلى جدّك فهو أبوك!».
وفي هذا الموقف يتجلّى حاصل التربية الروحية: قدّم المريد التسليمَ للشيخ على أعزّ ما يُعرض عليه من الدنيا، وتحمّل كلفة ذلك من قطيعة وجفاء.
حكمة الشيخ في صناعة الرجال
توجّه سيدي معاذ مكسور القلب إلى جدّه وشيخه سيدي حمزة. ولم يجد هناك معاملة الحفيد المدلَّل، بل تلقّى بمسؤولية تامة معاملة الشيخ العارف لمريده. وهي معاملة ربانية يريد الله بها أن يصنع منه رجلًا تصغر أمام صلابة عزيمته أهوال الدنيا، وتنتظره أمانات ثقيلة ومسؤوليات جسام، يُهيَّأ لها بروح صلبة وقلب واثق.
وهكذا تعاون الشيخان الجليلان، سيدي حمزة وسيدي جمال، بإذن ربّاني وحكمة بالغة، على إتمام صياغة الرجل القادر على حمل الأمانة العظمى، وهي تربية العباد وهدايتهم. فصار، حفظه الله ومدّ في عمره، خلفًا لصفّ السلف الصالح، وشيخًا حاليًا للطريقة القادرية البودشيشية، يحمل لواء النور والتزكية بالزاوية القادرية البودشيشية بمداغ العامرة.
و هكذا تُبرز سيرة الشيخ سيدي معاذ أن التربية الصوفية تقوم على مجاهدة النفس، وعلى الصبر الجميل عند البلاء، وعلى الأدب والتسليم للشيخ. وبهذه الأركان تُصاغ الشخصية القيادية الروحية، حتى يصير صاحبها أهلًا للأمانة.




