بين الذاكرة والمصلحة: لماذا لا يتعاطف المغرب اليوم مع “المتضامنين الشفهيين”

حين أعلن المغرب في دجنبر 2020 استئناف علاقاته مع إسرائيل، وصلت موجة الإدانة من بعض العواصم والمنابر الإعلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في التوقيت نفسه تقريبًا. غير أن الرواية الرسمية المغربية تضع هذا الاستئناف في إطار زمني أوسع: بين 1975 و1991، لم يكن النزاع حول الصحراء المغربية مجرد خلاف على السيادة، بل كان حرب استنزاف مُسلّحة وممولة ومُعبّأ لها إيديولوجيًا من قبل قوى إقليمية متعددة. تلك الذاكرة لا تزال تحكم طريقة الرباط في تحديد “من هو الصديق ومن هو المتفرج”.
حرب ستة عشر عامًا ورواية مغربية
الحرب التي استمرت من 1975 إلى 1991 يصنفها الخطاب الرسمي المغربي وحلفاؤه الإعلاميون على أنها عملية “استكمال الوحدة الترابية”. وفي هذا السرد، لم يكن الخصم جبهة البوليساريو وحدها، بل أيضًا الجزائر التي وفرت القواعد والسلاح والغطاء الدبلوماسي، إضافة إلى نظام القذافي في ليبيا، ونظام حافظ الأسد في سوريا، و مصر وكوبا، وبعض الفصائل الفلسطينية الراديكالية في مراحل معينة. وقد أوردت منابر مقربة من الرباط أكثر من مرة أن جورج حبش، مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، زار مخيمات تندوف عام 1979 وألقى خطابات تهاجم العرش المغربي. هذه التفصيلة تُستدعى باستمرار في الفضاء الإعلامي المغربي للتشكيك في اتساق بعض “القوى العربية التقدمية” وصدقها بشأن قضية الصحراء المغربية.
الجدار والألغام: التكلفة المادية للذاكرة
للشعور المغربي بالظلم سند مادي ملموس. فمنذ الثمانينيات، شيّد المغرب جدارًا رمليًا يمتد نحو 2700 كيلومتر، زُرعت على امتداده ملايين الألغام. هذا التحصين العسكري ثبّت السيطرة المغربية على نحو ثمانين بالمائة من الأقاليم المتنازع عليها، لكنه كلّف المغرب خسائر بشرية متواصلة. والسؤال المحوري الذي تطرحه الصحافة المغربية هو: حين كان الجنود المغاربة يسقطون خلف الجدار، لم تصدر عن تلك القوى العربية و العالمية التي ترفع اليوم شعارات الدفاع عن فلسطين أي إدانة للعمليات العسكرية للبوليساريو.
منطق المصالح لا منطق العواطف
هذه الذاكرة صنعت منطقًا باردًا يقوم على المصالح. ففي البيان الثلاثي المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي لعام 2020، اعترفت واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، وتلتها إسرائيل. وبالنسبة للرباط، كانت هذه مقايضة دبلوماسية حققت مكسبًا جوهريًا في قضية السيادة، وهي القضية المركزية في السياسة الخارجية المغربية. وفي المقابل، لا تزال الجزائر تعتبر البوليساريو أداة موازنة إقليمية، بينما تجلس مصر في آليات أمنية إلى جانب ممثلي البوليساريو، رغم أن القاهرة لا تعترف رسميًا بالكيان. والرسالة المغربية الضمنية واضحة: أولئك الذين يتحدثون عن التضامن العربي داخل جامعة الدول العربية اختاروا الصمت و الحياد السلبي أو المراوغة حين كان المغرب في أمسّ الحاجة إليهم كإخوة و أشقاء.
“الأشرف” كمجاملة سياسية
بالطبع، وصف الإسرائيليين بأنهم “أشرف” من بعض “الغربان المتأسلمة” خطاب سياسي عالي التوتر، يخدم التعبئة الداخلية والدفاع الدبلوماسي، ولا يشكّل حكمًا تاريخيًا دقيقًا. لكن هذا الخطاب يجد صدى لأنه يلامس جرحًا سياسيًا حقيقيًا: في تصور المغرب، لم تكن اللعبة الإقليمية حول الصحراء يومًا صراعًا على المبادئ، بل مقايضة مصالح. فالمغرب قايض التطبيع مع إسرائيل بدعم أمريكي لسيادته، كما قايضت الجزائر عائدات النفط والنفوذ الدبلوماسي برافعة في ملف البوليساريو.
فعلى الناقد و المراقب الخارجي ألا يتبنى بالضرورة السرد المغربي كاملًا، لكن عليه أن يعترف بحقيقة أساسية: دولة تحمّلت وحدها خسائر بشرية ومالية في حرب دامت ستة عشر عامًا، تحدد أولويات سياستها الخارجية وفق مصالحها الأمنية والترابية، لا وفق تصفيق يأتي من بعيد. وقد يواصل المنتقدون إدانة التطبيع، لكن الرد المغربي سيبقى واحدًا: خلف الجدار الرملي، حين كان الدم المغربي يسيل، أين كنتم؟ حيث كانت إسرائيل مكانكم .




