أخبار عامة

العريفة… حين تتحول الوصاية الاجتماعية إلى سلطة فوق الجميع!

العريفة

محمد بركة

في كل مجتمع شخصيات تصنع لنفسها مكانة، وأخرى تصنع لنفسها سلطة، لكن في الثقافة الشعبية المغربية تبرز شخصية استثنائية تستحق أن تُفرد لها مساحة من السخرية والتأمل: إنها «العريفة».

العريفة ليست بالضرورة صاحبة منصب، ولا حاملة لشهادة، ولا منتخبة من طرف أحد، لكنها تمتلك ما تعتبره أهم من كل ذلك: سلطة غير معلنة، ونفوذاً لا يحتاج إلى مرسوم، وصلاحيات لا تحدّها قوانين أو ضوابط!

إنها الشخصية التي تعرف كل شيء عن الجميع، أو هكذا تعتقد على الأقل. تراقب التفاصيل، وتجمع الأخبار، وتوزع الأحكام، وتحدد من يستحق الاحترام ومن ينبغي وضعه في خانة المغضوب عليهم.

العريفة لا تحتاج إلى مكتب لممارسة سلطتها؛ فالمجالس فضاؤها، والهمس وسيلتها، والأحكام المسبقة اختصاصها المفضل.

تتدخل في شؤون الآخرين باعتبارها وصية على المجتمع، وتمنح نفسها حق تقييم النوايا، وقراءة المواقف، وتصنيف الأشخاص. وإذا اختلف معها أحد، اعتبرت ذلك خروجاً عن الطاعة، وإذا انتقدها آخر، رأت في الأمر مؤامرة تستهدف مكانتها التاريخية!

والأكثر إثارة في هذه الشخصية أنها تجمع بين سلطات متعددة في شخص واحد: فهي القاضي الذي يصدر الأحكام، والمراقب الذي يتتبع التحركات، والمستشار الذي يوزع النصائح، والناطق الرسمي باسم الأخلاق والتقاليد، دون أن يطلب منها أحد القيام بكل هذه المهام!

أما المحاسبة، فتلك مسألة لا تدخل ضمن اختصاصاتها؛ فهي تملك حق مساءلة الجميع، لكنها لا تعترف بحق أحد في مساءلتها.

العريفة لا تعترف بتداول السلطة، لأنها ببساطة لم تعترف يوماً بأن السلطة ليست ملكاً شخصياً لها!

ولعل أخطر ما في هذه الشخصية ليس تدخلها في حياة الناس، بل قدرتها على تحويل الاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى عداوة، والاستقلال في الرأي إلى تمرد على منظومتها الخاصة.

ومع ذلك، فإن السخرية من العريفة ليست سخرية من المرأة أو من دورها في المجتمع، بل هي نقد لنموذج من الوصاية الاجتماعية الذي يمكن أن يمارسه أي شخص، رجلاً كان أو امرأة، حين يعتقد أن له الحق في التحكم في الآخرين دون تفويض أو مساءلة.

في النهاية، العريفة ليست مشكلة لأنها تعرف الكثير، بل لأنها تعتقد أن معرفتها تمنحها الحق في التحكم بالجميع.

فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة العرفاء، ولا تستقيم بسلطة الوصاية، وإنما تتقدم حين يحترم كل فرد حدود اختصاصه، ويعرف أن زمن الأحكام المطلقة قد انتهى، وأن لا أحد فوق النقد أو المساءلة.

فهل نحتاج إلى مجتمع جديد، أم إلى تقاعد مبكر لبعض العرفاء الذين طال أمد ولايتهم دون انتخابات؟

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button