التكافل الاجتماعي في المغرب: الزوايا نموذجًا

♦️خلال زيارتي لإحدى الزوايا التي تحتضن التعليم العتيق، سألني صديقي عن السر وراء قدرة شيوخ الزوايا على تأمين كل احتياجات الطلاب وهم بالمئات ، حتى مصروفهم اليومي (مصروف الجيب ). فقررنا أن نسأل الشيخ، لكنه اكتفى بالقول: “ابقوا هنا 12 ساعة، وستشهدون الجواب”.
مع تباشير الفجر، بدأت الصورة تتضح: وصلت سيارة محمّلة بمئات الأرغفة من الخبز، والشاي، والحليب، تبعتها حافلة نقل ركاب أنزلت كميات وافرة من المؤن القادمة من الدار البيضاء. بعد الصلاة، رأينا رجلاً يبدو عليه الثراء و الوقار يسلّم ظرفًا للشيخ و مئات الأحذية الجديدة قبل أن يغادر بهدوء. وخلال الصباح، توافد العديد من الزوار الذين تجنبوا الأضواء، لكنهم لم يبخلوا بعطائهم.
في تلك الساعات، أدركت أن المغرب للمغاربة، وأن الخير في هذا الوطن متجذر في قلوب أبنائه، من التجار البسطاء إلى الأثرياء، ومن القرى إلى المدن. إنه تكافل جميل يبعث الأمل في أن قيمنا العريقة ما تزال حية، وأن مدارس العلم ستبقى قائمة بفضل العطاء الصادق والمحبة الخالصة. والحمد لله.
في خضمّ التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها العالم، تبرز قيم التضامن والتكافل كأحد الركائز الأساسية للحفاظ على تماسك المجتمعات. وفي المغرب، تُعتبر الزوايا ومدارس التعليم العتيق نموذجًا حيًا لهذا التكافل، حيث تُلبّى احتياجات الطلاب من مأكل ومشرب وملبس وتعليم دون ضجيج، بفضل تبرعات المغاربة من مختلف الفئات. هذه الظاهرة تُذكّرنا بأن روح العطاء والتآزر ما تزال متجذرة في ضمير الأمة.
1. الزوايا: مدارس العلم والإحسان
الزوايا في المغرب ليست مجرد مراكز لتحفيظ القرآن وتعليم العلوم الشرعية، بل هي مؤسسات اجتماعية تقوم على مبدأ “الأخوة في الله”. يعيش فيها الطلاب في كنف المجتمع، حيث يتكفل بهم المحسنون دون انتظار مقابل. هذا النموذج يعكس فلسفة إسلامية أصيلة تقوم على:
- الصدقة الجارية: كبناء المدارس وإطعام الطلاب.
- التكافل غير المشروط: حيث يقدم الأغنياء والفقراء على حدّ سواء ما يستطيعون.
- الحفاظ على الهوية: عبر دعم التعليم الأصيل الذي يحفظ قيم الأمة.
2. آليات التكافل: من الخبز إلى العلم
ما شاهدناه خلال تلك الـ 12 ساعة في الزاوية يكشف آليات دقيقة للعطاء:
- التبرعات العينية: مثل الأرغفة والحليب والملابس التي تصل يوميًا من محسنين مجهولين.
- التبرعات المالية: يُسلّمها رجال الأعمال بتواضع، بعيدًا عن الإعلام.
- التطوع الخفي: كسائقين ينقلون المؤن، أو نساء يجهزن الطعام.
هذه الآليات تُظهر أن التكافل في المغرب ليس ظاهرة فردية، بل هو نسيج متكامل من العلاقات الاجتماعية.
3. قيم التكافل في الثقافة المغربية
هذا النموذج ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لتقاليد عريقة:
- فريضة الزكاة: التي تُوجّه لدعم طلاب العلم.
- العرف المغربي (التويزة): حيث يتعاون الجميع في بناء المساجد والمدارس.
- التربية الروحية: التي تغرس في الناشئة حب العطاء منذ الصغر.
4. دروس مستفادة لزمن الأزمات
في عصر يسيطر فيه الفردية والاستهلاك، تقدم الزوايا دروسًا ثمينة:
- إحياء ثقافة “اليد العليا”: كما قال النبي ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى».
- التكافل كاستثمار: فطالب العلم اليوم هو طبيب أو معلم الغد.
- البناء المجتمعي: عندما يُموّل التعليم تلقائيًا، يصبح المجتمع كالجسد الواحد.
ختاما
الزوايا المغربية ليست مجرد حلقات علم، بل هي مرايا تعكس وجوه المغاربة الطيبة. ما رأيناه من تدفق الخير من دون ضجيج هو تأكيد على أن الأمل ما زال حيًا، وأن العطاء سيبقى سرّ بقاء هذه الأمة. فالحمد لله الذي جعل في هذا البلد خيرًا كثيرًا، وجعل أهله خيرًا له.
“إنما يُخشى على الأمة أن يموت قلبها قبل جسدها، وما دام العطاء يسري في عروقها، فستبقى شامخة بإذن الله.”



