واقع ومستقبل الفنون الموسيقية بجهة سوس ماسة

(إعداد : الحبيب نونو)
تمهيد وسياق تاريخي: جدلية الكلمة والنغمة
تتميز الفنون الموسيقية، كجنس فني بجهة سوس ماسة، بخصوصية جمالية تاريخية ترتكز على “تمجيد الكلمة والمعنى” وإعطائها الأولوية المطلقة، مقابل تعاملٍ ثانوي مع الجانب الآلي من حيث التذوق والتركيب. هذا الارتباط الوثيق للأذن الإنسانية بالمضامين الغنائية والشعرية، على حساب التعابير الموسيقية التجريدية والتصويرية، جعل الأغنية السوسية تنكفئ طويلاً داخل دائرة التراث، وتتحرك ببطء وحذر نحو التجديد.
بيد أن هذا المسار أوقعها مؤخراً في براثن نوع من “التهجين الفني”؛ حيث تم اختزال التجديد في الاستعمال السطحي للآلات العصرية كركيزة أساسية، مما أدى إلى تفكيك المضامين العميقة للأغنية، والرمي بها في أبعاد استعراضية وتنميقية. وانضافت إلى هذه العروض مكملات حركية (رقصية) هجينة وغريبة عن الأصول الجمالية للمنطقة، إلى جانب إفراطٍ مبالغ فيه في أشكال الزينة والملابس، ممّا أسقط الكثير من الإنتاجات في دائرية التكرار والابتذال.
أزمة المؤهلات التكوينية وتشتت الممارسات الميدانية
أمام غياب مؤسسات التكوين الموسيقي الأكاديمي التي كان من المفترض أن تواكب الأجيال المتلاحقة من الموسيقيين، ومحدودية فاعلية المعهد البلدي للموسيقى في اقتراح صيغ تأليفية وأدائية (فردية وجماعية) متنوعة، وعجزه عن توجيه هذه الطاقات لممارسة الفن على أسس علمية رصينة؛ تشتتت الممارسات الميدانية واختلطت الأساليب، لينتج عن ذلك خلط منهجي حاد على مستوى الأفكار والممارسة، يتوزع اليوم بين تيارات متباينة:
- تيار المحافظة التقليدية: تمثله “فرق تيرويسا” التي تستمر في توجهها الكلاسيكي، متمسكةً بالماضي بأشكاله وقوالبه، ومؤكدة على قدسية التراث وصونه من التغيير.
- تيار التأسيس الأصيل: مجموعات حاولت وضع لبنات لنمط أصيل يزاوج بين النكهة المحلية والخصوصية الذاتية.
- التيار التجاري والاستهلاكي: مجموعات تدعو إلى القطيعة مع الحقب الماضية بدعوى “العصرنة”، بينما يتجه شق منها نحو التجديد السطحي لتلبية طلبات الزبائن في الحفلات، الأعراس، وتنشيط المطاعم والنوادي الليلية.
- تيار الموسيقى الهجينة (La Fusion): مجموعات تتبنى نظرة حديثة تتفاعل مع المناهج الموسيقية الغربية عبر قوالب المزج الفني.
- التيار الأكاديمي العلمي: توجه يعتمد على مفاهيم أكاديمية صارمة، وتجسده تجربة “الأوركسترا الفيلارمونية”.
الأوركسترا الأمازيغية: من التعدد المعرفي إلى الطفرة العالمية
إن هذا التعدد السوسيو-فني يطرح بعمق مشكل التفاوت المعرفي وصيغ التناول الفني لفنون الموسيقى في أدق تفاصيلها؛ بدءاً من العناصر الصوتية والإيقاعية، وصولاً إلى التركيبات النغمية والمقامية، وقوالب الغناء، ودور اللغة والشعر في تحديد النمط الغنائي وهويته.
ومع مرور الوقت، اتضح ملموساً أن التوجه الأكاديمي العلمي هو الخيار الوحيد القادر على استيعاب كافة هذه التوجهات، وتأطير الأساليب السابقة تأطيراً علمياً يضمن استمراريتها. وفي هذا الصدد، قدمت “الأوركسترا الأمازيغية” حلولاً علمية وتقنية حقيقية، وتربعت على عرش الممارسة الموسيقية الحديثة برؤية جمعت بذكاء بين مفاهيم الأصالة والحداثة. لقد فتح هذا النموذج باب الانفراج الفني، واختصر المسافات والزمن، واضعاً الأغنية الأمازيغية في مصاف العالمية، وواعداً بتحقيق قفزة نوعية على المستويين الذهني والعملي.
ورغم أن أفكاراً تجديدية أخرى وجدت طريقها للإشراق عبر منصات ومحافل دولية (صيغ الـ Fusion)، إلا أنها ظلت عاجزة عن اكتساب قاعدة اجتماعية محلية صلبة، لأسباب ثقافية، وسوسيولوجية، وسياسية مرتبطة ببنية التلقي.
التمدين الهش والتحدي الثقافي بالمدينة
علاوة على ذلك، فإن الوضع الهامشي للموسيقي المنحدر من المجال القروي لم يسعفه في الاحتكاك الفعلي والعملي لاستيعاب البعد العلمي للموسيقى والاندماج فيه على أسس متينة. ونتيجة لذلك، تشكلت ظاهرة “تأسيس المدنية تحت غطاء الشعبية الهشة” (تابايكونت)، حيث تم تكسير القواعد الكلاسيكية الرصينة لحساب تيار شعبي استهلاكي رسخ خصائص تبتعد عن الاهتمام بالمضمون العميق، وتنامى في المقابل التهافت نحو الإسفاف، والصيغ الموسيقية الصاخبة المبنية على الآلات والإيقاعات المزعجة، وسيادة الأغاني الموسمية المستجيبة الحصرية لمتطلبات الملاهي الليلية.
الخلاصة الاقتراحية والأفق الترافعي
تأسيساً على ما سبق، وأمام ملفات الترافع لتنسيقية الفنانين بجهة سوس ماسة، يبرز نموذج “الأوركسترا الفيلارمونية الأمازيغية” كخيار اقتراحي استراتيجي ونموذجي؛ لكونه نجح برؤية علمية في ربط كل مضمون شعري بالقالب الموسيقي الفني ربطاً عضوياً وبنيوياً.
وعلى مستوى الترافع الموازي لمشاريع التنمية الحضرية المستدامة بالجهة، تظل “الأوبرا الأمازيغية” هي المطلب الإستراتيجي الأسمى للجنة الموسيقى، باعتبارها قادرة على مأسسة هذا الانتقال الحضاري للفن الأمازيغي.
بناءً على هذه الأرضية الجمالية والسوسيولوجية، يطرح هذا النموذج الأسئلة الترافعية التالية على الفاعلين المؤسساتيين والشركاء:
رؤية ترافعية حول دور المعاهد الموسيقية وتطوير حكامة التكوين الفني: نموذج المعهد البلدي للحاج بلعيد بتيزنيت
- الهوية التأسيسية للمعاهد: بين الوفاء للمهمة والانفتاح على الفنون الجماعية
انطلاقاً من المرتكزات الجوهرية للسياسات الثقافية، كيف يمكن للمعاهد الموسيقية أن تظل وفية لمهمتها التأسيسية القائمة على تدريس علوم الموسيقى والفنون الكوريغرافية (الرقص)؟ إن الوفاء لهذه الرسالة هو ما يجعل برامج هذه المؤسسات وثيقة الارتباط بالموسيقى كعلم، وفي الوقت ذاته، منفتحةً على كافة الفنون الجماعية والتراثية.
ومن هذا المنطلق، تتضح بجلاء آفاق هذه المعاهد، وحجم الهوة والتعثر الذي نعيشه؛ إذ لم تتمكن وزارة الشباب والثقافة والتواصل، حتى الآن، من جسر هذه الفجوة في التعاطي مع الشأن الموسيقي، عبر التحرر من الهيمنة الأحادية للمرجعيات الشرقية، واعتماد مناهج وبرامج استراتيجية تستثمر في الثقافة المغربية الأصيلة بكافة أبعادها، وتستوعب صياغات الرقص والتعبير الشعري والشفهي واللحني، سواء في شقه الفردي أو الجماعي. - مأسسة الابتكار المشترك: المبادرة الاستثنائية لجماعة تيزنيت
أمام هذا الفراغ المنهجي، لا بد من الإشادة بالمبادرة الاستثنائية والنموذجية التي أبدعتها جماعة تيزنيت، عبر إبرام شراكة استراتيجية ومبتكرة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبتنسيق مع المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. وتتجسد هذه المبادرة في إحداث “مركز التفتح الفني والأدبي” بقطبيه المتكاملين: (قطب التعلمات، وقطب الفنون)، وذلك من خلال الاستغلال المشترك لـ “معهد الحاج بلعيد للموسيقى”.
لقد أضحى هذا المعهد بفضل هذه الحكامة التشاركية فضاءً حيوياً يدمج بذكاء بين الأنشطة التربوية والتكوينية البيداغوجية، وبين احتضان وتنظيم التظاهرات الفنية والإشعاعية المتنوعة. - نداء المسؤولية: تعميم النموذج وتأهيل الموارد
ومن هذا المنبر، نثير انتباه المسؤولين المركزيين والجهويين في كلتا الوزارتين (الثقافة والتربية الوطنية) إلى ضرورة الاعتماد الرسمي لهذا النموذج المقترح وتبنيه كآلية رائدة للتدبير المشترك. كما ندعو إلى تقويته وتحصينه عبر مواكبة إدارية دقيقة، وتوفير الموارد المالية واللوجستية الكفيلة بتأهيل ورفع كفاءات الأطر التكوينية والتدريسية.
وفي المقابل، تستمر الجماعة الترابية في ابتكار صيغ متجددة للشراكات الدولية مع معاهد أجنبية، وبناء الجسور مع فنانين ذوي صيت عالمي لربطهم إبداعياً وثقافياً بمدينتهم وحاضرتهم المحلية.
لتحديد آليات التنسيق الميداني والعملي بين قطب التعلمات وقطب الفنون داخل هذا الفضاء المشترك (معهد الحاج بلعيد للموسيقى بتيزنيت)، يمكن صياغة مقترح تنظيمي متكامل يضمن التكامل البيداغوجي والإداري، ويمنع أي تداخل في الصلاحيات.
آليات التنسيق الميداني والتدبير المشترك بين قطبي التعلمات والفنون
لضمان نجاعة هذا النموذج المبتكر وتحقيق أهدافه التربوية والفنية، يتطلب الأمر إرساء آليات تنسيق ميدانية مرنة ودقيقة تنظم العلاقة بين قطب التعلمات (التابع لوزارة التربية الوطنية) وقطب الفنون والتعليم الأولي (المدبر بالشراكة مع جماعة تيزنيت وقطاع الثقافة)، وذلك عبر المحاور التالية:
- الحكامة الإدارية والقيادة المشتركة (اللجنة القيادية الميدانية)
- إحداث مجلس تنسيق داخلي: يتكون من مدير معهد الحاج بلعيد للموسيقى، ومدير (أو منسق) مركز التفتح الفني والأدبي، وممثل عن المجلس الجماعي. يجتمع هذا المجلس بشكل دوري (شهرياً أو عند بداية كل أسدس) لتوحيد الرؤى وتذليل العقبات التقنية.
- بروتوكول استعمال الفضاءات والزمن المشترك: وضع جدولة زمنية موحدة واستعمالات زمن ذكية ومقننة تضمن الاستغلال الأمثل للقاعات والمحترفات (الموسيقية، الكوريغرافية، والمسرحية) طيلة أيام الأسبوع، مع مراعاة أوقات ذروة المتمدرسين (أوقات الفراغ، مابعد الحصص الدراسية، وعطل نهاية الأسبوع).
- التكامل البيداغوجي والجسور التعليمية (الالتقائية الموضوعاتية)
- مشاريع فنية مشتركة (التوليف بين النظرية والممارسة): يركز قطب التعلمات على البعد المعرفي والأكاديمي وتلقين القواعد الكلاسيكية (سولفيج، تاريخ الموسيقى، قراءة المأثور الشفهي)، بينما يتلقف قطب الفنون هذه المخرجات لتحويلها إلى إبداعات حية (تأسيس كورال مشترك، تشكيل مجموعات أوركسترالية صغيرة، لوحات كوريغرافية تراثية).
- بطاقة التتبع الفني والتربوي الموحدة: اعتماد دفتر تتبع أو بطاقة تقنية مشتركة لكل مستفيد (خاصة الأطفال في سن مبكرة أو المتمدرسين) تسجل مسار تطوره الأكاديمي في قطب التعلمات ومستوى تفاعله الإبداعي في قطب الفنون، مما يسهم في الاكتشاف المبكر للمواهب وصقلها.
- التنشيط الثقافي والإشعاع الميداني المشترك
- الأجندة الثقافية الموحدة للمعهد: التنسيق القبلي في تنظيم الأنشطة؛ بحيث تخدم التظاهرات الفنية والورشات الإبداعية (التي يشرف عليها قطب الفنون بالجماعة باستضافة فنانين عالميين ومحليين) المناهج التعليمية لقطب التعلمات، عبر تنظيم “ماستر كلاس” (Masterclass) ولقاءات مفتوحة يستفيد منها طلبة المركز بشكل مباشر.
- الإنتاج السنوي المدمج: تتويج الموسم الدراسي بعمل فني متكامل (أوبريت غنائية، عرض كوريغرافي جماعي، أو عرض تجريبي) يشارك في إعداده أساتذة وتلاميذ القطبين معاً، ويُعرض في إطار فعاليات المدينة الثقافية.
- التأهيل والتقويم المستمر
- الورشات التكوينية المشتركة للأطر: تنظيم دورات تكوينية وتأهيلية مشتركة تجمع بين أساتذة المعاهد الموسيقية (المقاربة الفنية الصرفة) وأطر وزارة التربية الوطنية (المقاربة الديداكتيكية والتربوية) لخلق لغة تواصل موحدة تخدم المتعلم والمبدع.
ملاحظة ترافعية:
إن تنزيل هذه الآليات الميدانية هو الكفيل بتحويل معهد الحاج بلعيد من مجرد “بناية مستغلة” إلى مختبر جهوي حقيقي لإنتاج المعرفة الفنية وتجديد النخب الموسيقية، وهو النموذج الذي يجب على الوزارتين الوصيتين دعمه إدارياً ومادياً لتأمين استدامته وعموميته.
الحبيب نونو



