الذاكرة الجماعية لمنطقة الروينة: نسيان مُتعمَّد أم انسلاخ طوعي؟

بقلم: محمد بن عيسى بوزرود
في زوايا المدينة القديمة، حيث كانت تعبق رائحة الخشب من ورشات النجارة وتختلط بأملاح البحر من معامل تصبير السمك وحموضة الحوامض المتجهة للتصدير، هناك ذاكرة جماعية على حافة الانقراض. منطقة الخيام القديم، التي نشأت وتشكلت في عهد الاستعمار على أيدي عمال المعامل القادمين من قبائل الصحراء، تواجه اليوم تحولاً وجودياً: نسيان متعمد، أو بالأحرى، طمس متدرج لذاكرة مكان لم يعد موجوداً إلا في قلوب من عاشوه.
الذاكرة التاريخية: حكاية تأسيس منسيّة
تأسست منطقة الخيام القديم كظاهرة سوسيولوجية فريدة، حيث هُجرت القبائل الصحراوية بحثاً عن العمل في المعامل الاستعمارية بسوس، ليشكلوا مجتمعاً هجيناً يجمع بين تقاليد الصحراء الممتدة وضرورات الحياة الحضرية الجديدة. كانت المعامل نفسها -النجارة وتصبير السمك وتلفيف الحوامض- ليست فقط أماكن للعمل، بل فضاءات لتشكيل الهوية الجمعية. الزوايا وملاعب الكابتيز والبرارك والديبوات و الروبيني كانت المساحات التي نسجت فيها العلاقات الاجتماعية والثقافية الجديدة.
الذاكرة السوسيولوجية: تشكل مجتمع في بوتقة التحول
من الناحية السوسيولوجية، تمثل المنطقة حالة دراسية لكيفية تشكل مجتمعات جديدة في فترات التحول الاقتصادي. القادمون من الصحراء، بحمولتهم الثقافية والقبلية، اضطروا لإعادة تشكيل هويتهم داخل فضاء جديد. لكن المفارقة أن هذا المجتمع الذي تشكل بصعوبة، يختفي اليوم بذات السرعة التي تشكل بها. الأجيال الجديدة، المنخرطة في حياة حضرية مختلفة، تخلق ذكريات بديلة، تاركة ذاكرة الأجداد تتبخر مع الوقت.
الذاكرة الأنثروبولوجية: طقوس وعلاقات على حافة الانقراض
أنثروبولوجياً، تحمل الخيام القديم كنزاً من الممارسات اليومية والطقوس الاجتماعية التي تروي قصة تكيف الإنسان مع ظروف جديدة. من طقوش العمل الجماعي في المعامل، إلى أنماط الترفيه في ملعب الكابتيز، إلى العلاقات المتشابكة في أحياء البرارك. هذه الممارسات ليست مجرد عادات، بل هي نظام ثقافي متكامل ساعد على تجاوز صعوبات الانتقال من الحياة البدوية إلى الحياة الصناعية.
صراع الذاكرة والنسيان: خجل من الماضي أم انفتاح على المستقبل؟
ثمّة سؤال مركزي يطرح نفسه: لماذا يختار البعض نسيان هذا الماضي؟ الكتابة الأصلية تلمح إلى “الخجل” من هذه الذكريات، وهي إشارة عميقة الدلالة. هل هو خجل من ظروف الفقر والعمل الشاق التي رافقت تلك الحقبة؟ أم هو رغبة في الاندماج في سردية وطنية أكبر تتجاوز الذكريات المحلية؟ أم هو ببساطة نتيجة طبيعية للتحضر والتحول الاقتصادي؟
الحقيقة أن عملية النسيان هذه ذات شقين: فهي من جهة، آلية تكيف نفسي تسمح للأفراد بالتركيز على الحاضر والمستقبل، ومن جهة أخرى، قد تكون خسارة لا تعوض للذاكرة الجماعية. قطع الصلات المادية (هدم المعامل والأحياء القديمة) والنفسية (عدم نقل الروايات والتجارب) يؤدي إلى تلاشي الذاكرة، ولكن هل هذا التلاشي حتمي؟
نحو حفظ الذاكرة: اقتراحات لمصالحة بين الماضي والمستقبل
في مواجهة هذا الزوال المحتمل، ثمة حاجة ملحة لـ:
- توثيق تاريخ المنطقة الشفوي من خلال مقابلات مع الجيل القديم.
- إقامة متحف أو أرشيف محلي يحفظ أدوات العمل والصور والوثائق.
- دمج تاريخ المنطقة في المناهج التعليمية المحلية.
- تنظيم فعاليات ثقافية تستعيد وتعيد تفسير تراث المنطقة.
- تشجيع الأجيال الجديدة على رؤية هذا الماضي ليس كمصدر للخجل، بل كشاهد على مرونة الإنسان وقدرته على التشكل والتأقلم.
المنطقة ليست مجرد مكان في الذاكرة، بل هي حالة إنسانية جامعة: قصة تشكل مجتمع، صراع بين التقاليد والحداثة، وحكاية ذاكرة مهددة بالنسيان. الحفاظ على هذه الذاكرة ليس تعلقاً مرضياً بالماضي، بل اعتراف بأن فهم حاضرنا ومستقبلنا requires فهم الأرضية التي نهضنا عليها، بكل ما تحمله من عسر ونعمة.
فهل نسمح لهذه الذاكرة الجماعية أن تموت مع آخر من عاش تلك الأيام، أم سنبذل الجهد لتحويلها من ذاكرة فردية عاطفية إلى تراث جماعي يُفهم ويُحفظ ويُبنى عليه؟ الإجابة ستحدد ليس فقط مصير ذكرى الخيامالقديم، بل مصير آلاف الذكريات المماثلة التي تشكل نسيج مجتمعاتنا المتعددة.
و لنا عودة مع منطقة أخرى و مع عبق التاريخ المنسي عبر أكادير الكبير.



