الحسن الثاني وسيدي حمزة: ركيزتا الأمن الروحي والمائي والحدودي في المغرب

بين رؤية الدولة المؤسسية وامتداد الزاوية الروحية، يتجسد نموذجان مكملان لضمان استقرار المملكة المغربية الشريفة.
في تاريخ المغرب المعاصر، يبرز اسمان رئيسيان لهما بصمة واضحة في تعزيز الأمن الوطني بمفهومه الشامل: الملك الحسن الثاني، رجل الدولة ورائد السياسات الكبرى، والشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش، القائد الروحي للطريقة القادرية البودشيشية. ورغم اختلاف مجال تأثيرهما، إلا أن مسارهما يلتقي عند نقاط جوهرية تصب في خدمة الوطن واستقراره.
الحسن الثاني: مهندس الأمن المائي والحدودي
لم ينظر الملك الراحل إلى الماء كمجرد مورد، بل كقضية وجود وأمن واستقرار. وقد تجسدت هذه الرؤية في الاستراتيجية الوطنية للسدود الكبرى، التي حولت المغرب من دولة تعاني من شح المياه إلى دولة تمتلك بنية تحتية مائية صلبة. فمن أقل من 20 سدا بعد الاستقلال، ارتفع العدد في عهده إلى أكثر من 100 سد، بطاقات تخزين هائلة غيرت علاقة المغرب بالجفاف .
وكان الحسن الثاني يرفع شعار أن “المغرب يجب أن يبني سدا كل سنة”، معتبرا أن هذه السياسة ليست خيارا ظرفيا بل خيار دولة يضمن الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي . هذه الرؤية الاستباقية جعلت المغرب يتفوق على جيرانه في تدبير أزمات الجفاف، ومكنت من توسيع المساحات المسقية وتأمين الماء الشروب للمدن وحمايتها من الفيضانات.
أما على الصعيد الحدودي، فكان الحسن الثاني رمزا للدفاع عن الوحدة الترابية، حيث قاد دبلوماسية نشطة استعادت الأقاليم الجنوبية ورسخت الانتماء المغربي للصحراء، واضعا بذلك أسس الأمن الحدودي للمملكة.
سيدي حمزة: حارس الأمن الروحي
في الجهة الشرقية من المغرب، وتحديدا في زاوية مداغ، أسس الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش مدرسة روحية امتد تأثيرها إلى خارج المغرب. لم تكن هذه الزاوية مجرد فضاء للذكر والعبادة، بل مؤسسة لحماية الأمن الروحي للمغاربة، من خلال تحصينهم من تيارات الغلو والتطرف ونشر قيم التصوف القائمة على الوسطية والاعتدال .
وتميزت الطريقة البودشيشية في عهده بتوسع غير مسبوق، حيث أصبحت مركز إشعاع روحي وصل إلى أوروبا وأفريقيا، وأسست لخطاب ديني معتدل يجمع بين تزكية النفس والانفتاح على المجتمع . هذا الدور جعل الزاوية محط عناية ملكية خاصة، إدراكا من الدولة المغربية لأهميتها في الحفاظ على النسيج الروحي للمملكة.
نقاط الالتقاء: وطن واحد ورؤية متكاملة
رغم اختلاف أدوارهما، يلتقي الرجلان في عدة نقاط جوهرية:
أولا: الإخلاص للثوابت الوطنية. كان الحسن الثاني هو المؤسس السياسي للدولة الحديثة، بينما جعل سيدي حمزة من الزاوية فضاء لترسيخ ارتباط المريدين بالثوابت الدينية والوطنية، وفي مقدمتها بيعة إمارة المؤمنين، التي تمثل العمود الفقري لوحدة المغرب واستقراره .
ثانيا: النظرة الاستباقية للتحديات. كلاهما أدرك مبكرا خطورة التحديات التي تواجه البلاد. الأول رأى في الجفاف خطرا استراتيجيا فبنى السدود، والثاني رأى في الفراغ الروحي خطرا يهدد الشباب فأسس مدرسة تربوية تعصمهم من الانحراف .
ثالثا: البعد الاجتماعي للعمل. لم تكن سياسات الحسن الثاني مجرد مشاريع إسمنتية، بل كانت تستهدف تحقيق الاستقرار الاجتماعي من خلال توفير الماء والغذاء. بالمقابل، لم تكن الزاوية البودشيشية فضاء روحيا فحسب، بل كانت مؤسسة اجتماعية تقدم الدعم للمحتاجين وتؤطر الشباب، وتعمل على ترسيخ قيم المواطنة وحب الوطن .
رابعا: الاستمرارية المؤسسية. ترك الرجلان إرثا مستمرا: فسياسة السدود يواصلها الملك محمد السادس بتحديثها عبر تحلية المياه والربط بين الأحواض، بينما تواصل الزاوية البودشيشية دورها الروحي تحت قيادة شيخها الحالي الحاج معاذ القادري البودشيشي خلفا لجده الشيخ سيدي حمزة، في امتداد طبيعي للمشروع التربوي الذي أسسه .
إن الجمع بين الأمن المادي الذي جسده الحسن الثاني عبر سدوده، والأمن الروحي الذي رسخه سيدي حمزة عبر زاويته، يشكل نموذجا فريدا في تدبير الدولة المغربية لأمنها الشامل. إنه نموذج يثبت أن استقرار المملكة لا يقوم فقط على القوة المادية، بل أيضا على متانة النسيج الروحي والقيمي الذي يحميها من الداخل.








